209
الجزء ٢ · صفحة ٣٠١﴿ فَانُ زَلَلْتُم ﴾ : ملتم عن الدخول فى السلم كافة ، بأن دخلتم فى بعضه فقط ، أو دخل بعضكم فقط ، وقرأ أبو السمال : زللتم بكسر اللام ، وهو لغة كضللت وضللت ، وأصل ازلل فى القدم كالزلق وزناً ومعنى ، استعمل فى الخروج عن الحق .
﴿ مِنْ بَعدِ ما جَاءَتْكُم البَّيناتُ ﴾ : الحجج الظاهر الشاهدة على أن ذلك السلم المأمور بالدخول فيه هو الحق إن كان الخطاب الأول للمؤمنين ، فالآيات القرآن والمعجزات ، وإن كان لأهل الكتاب المشركين فهن ما جاءهم أيضاً فى التوراة من أمر سيدنا محمد A وشريعته أو هن القرآن والمعجزات أيضاً .
﴿ فاعْلَموا أنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ﴾ : غالب لا يعجزه شئ عن الانتقام ممن لم يدخل فى السلم ولا ممن دخل فى بعضه فقط .
﴿ حَكِيمٌ ﴾ : فى صنعه لا يضع الجزاء بالسوء إلا فى أهل السوء . والجملة تعليل لجواب محذوف سدت . مسدة أى : عاقب من لم يدخل فيه ومن دخل فى بعضه فقط؛ لأنه عزيز حكيم ، سمع أعرابى قارئاً [ يقرأ ] : ﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ ﴾ فأنكره ، ولم يقرأ القرآن ، وقال إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم ، لا يذكر الغفران عند الزلل ، لأنه إغراء عليه .
﴿ هل يَنْظرُون ﴾ : ينتظرون والاستفهام فى معنى النفى ، ولذلك أجيب بإلا ، والضمير لمن لم يدخل فى السلم ، ومن دخل فى بعضه وهم المتبعون لخطوات الشيطان .
﴿ إلا أنْ يأتْيهَم اللّهُ فى ظُلَلٍ مِنَ الغَمامٍ ﴾ : على حذف مضاف ، أى أمر الله ، بدليل قوله تعالى : ﴿ هل ينظرون إلا أن تأيتهم الملائكة أو يأتى أمر ربك ﴾ أو بأس الله كقوله سبحانه : ﴿ فجاءهم بأسنا ﴾ ، أو على حذف المتعلق ، أى إلا أن يأتيهم الله بأمره ، كام ورد ما يقرب منه فى آية أخرى ، أو ببأسه كما يدل له : ﴿ عزيز حكيم ﴾ ، فإن لعزة فى حكمه تناسب البأس الذى لا يطاق ، وهى صفة قهر ، والعزة بلا حكمة قد تضع حيالها وعدتها ، وهذا فى الجملة ، والله منزه عن الحيلة ، وهذه الباء المقدرة للتعدية كهمزة التصيير ، أى إلا أن يصير الله أمره أو بأسه آتياً ، والمعنى فى ذلك كله واحد ، ولا بد من المصير إليه ، لأن الله تعالى منزه عن الحركة والسكون ، لأنهما يستلزمان الحد والتحيز والجهاد والتركب والعجز والحدوث وغير ذلك من صفات الخلق ، هذا مذهبنا ومذهب المعتزلة والمحققين من الشافعية كالقاضى ، وفي سبيل ذلك أن نقدر أن يأتيهم قهر الله او عذابه ، فإن ذلك من أمره ، أو نجعل فى بمعنى الباء ، أى أن يأتيهم الله بظلل من الغمام ، أى أن يصير الله ظلل الغمام آتية إياهم .
والحاصل أن مذهبنا ومذهب هؤلاء ، تأويل الآية عن ظاهرها إلى ما يجوز وصف الله به ، وذلك مذهب المتكلمين ، وحكمة حذف المضاف أو ذلك المتعلق : التهويل عليهم ، إذ لو ذكرك أن أسهل عيلهم إلاٍ تراهِم لتكذيبهم يقولون :