198
الجزء ٢ · صفحة ٢٦٨﴿ لَيْسَ عَلَيْكُم جُناحٌ ﴾ : إثم ولا عتاب ، فإن الجناح يطلق على الإثم وعلى العتاب ، فهو عام لهما يجوز أن يستعمل فى أحدهما وأن يستعمل فيهما .
﴿ أَنْ تَبتغُوا ﴾ : فى أن تبتغوا ، أى فى أن تطلبوا .
﴿ فَضلاً ﴾ : عطاءاً ورزقاً .
﴿ مِنْ ربِّكُم ﴾ : بالتجر ، روى البخارى عن ابن عباس : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً فى الجاهلية ، فلما كان الإٍلام تأثموا فى تلك الأسواق فى مواسم الحج ، وكانت معايشهم منها ، فنزلت الآية ، وعكاظ سوق بقرب مكة لقيس ، ومجنة - بفتح الميم وكسرها والفتح أشهر وتشديد النون - سوق على بريد من مكة لكنانة بمر الظهران ، وذو المجاز سوق بعرفة لهذيل ، وكانوا يقيمون بعكاظ عشرين يوماً من ذى القعدة ، ثم ينتقلون مجنة فيقيمون بها ثمانية عشر يوماً عشرة من آخر ذى العقدة ، وثمانية من ذى الحجة ، ويخرجون فى الثامن إلى عرفة ، وقال الداودى : مجنة عند عرفة وعن أبى أمامة التيمى : كنت أكرى فى الحج ، وكان الناس يقولون لى : ليس لك حج ، فلقيت ابن عمر فقلت له : يا أبا عبد الرحمن إنى رجل أكرى جمالى فى الحج ، وإن أناساً يقولون إنه ليس لك حج . فقال ابن عمر : أليس تحرم وتلبى وتطوف بالبيت وتفيض من عرفة وترمى الجمار؟ قلت : بلى قال : فإن لك حجاً ، جاء رجل إلى رسول الله A فسأله عن مثل ما سألتنى عنه ، فسكت رسول الله A فلم يجبه ، حتى نزلت الآية : ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُم جُنَاح أنْ تَبْتغُوا فَضْلاً من ربكم ﴾ فأرسل إليه رسول الله A وقرأها عليه ، وقال : « ولك حج » أخرجه أبو داود والترمذى ، وقال بعض العلماء : إن التجارة إن أوقعت نقصا فى أعمال الحج لم تكن مباحة ، وإن لم توقع نقصاً فيه فمباحة ، لكن الأولى تكرها لتجريد العبادة عن غيرها ، لأن الحج بدون التجر أكمل وأفضل ، ذكر ذلك الخازن فى تفسيره ، وبعضه أخذه عن الكشاف ، وروى الكشاف فدعى به فقال : أنتم حجاج ، وسئل عمر : هل كنتم تكرهون التجارة فى الحج؟ فقال : نعم ولكن نزلت الآية رافعة للكراهية . وقرأ ابن عباس : فضلا من ربكم فى مواسم الحج ، وكان ناس من العرب يتأثمون أن يتجروا أيام الحج ، وإذا دخل العشر كفوا عن التجر والبيع والشراء ، فلم تقم لهم سوق ، ويسمون من يخرج بالتجارة : الداج ، ويقولون هؤلاء الداج ، وليسوا بالحاج ، وعن عبيد الله بن أبى يزيد : سمعت عبد الله بن الزبير ، وبلغه أن ناساً يتأثمون من التجارة فى الحج ، وقال : يقول الله ﴿ ليس عَلَيْكُمْ جَناحٌ أنْ تَبتغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكم ﴾ ، يعنى به التجارة فى مواسم الحج ، وعن الحسن أنه كان لايرى بأساً بالتجارة فى الحج فى الفريضة وغيرها ، وروى مجاهد عن ابن عباس أن ناسا من المسلمين تحرجوا عن التجر فى مواسم الحج فنزلت الآية .