204
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٧﴿ ومِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجبكَ قَوْلهُ فى الحَيَاةِ الدُّنْيا ﴾ : لفصحاته وحلاوته ، ولا يعجبك فى الآخرة لما يعتريه من الدهشة وانحباس لسانه لرؤيته العقاب على عمله ، أو لأنه لا يؤذن له فى الكلام ، أو لمخالفة قوله لاعتقاده ، ومعنى يعجبك يحسن فى قلبك ويعظم فيه ، ومن الشئ العجيب يعظم فى قلبك ، ومنه التعجب ، لأنهُ حيرة تعرض للإنسان من عظم الشئ لجهله بالسبب ، وإن شئت قلت : حالة تعرض للأإنسان من عظم الشئ لجهله بالسبب ، وإن شئت فقل : التعجب استحسان الشئ والميل إليه والتعظيم له .
نزلت الآية فى الأخنس بن شريق الثقفى حليف بنى زهرة ، وإنما سمى الأخنس لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بنى زهرة ، عن قتال رسول الله A ، وذلك أنه أشار على بنى زهرة بالرجوع يوم بدر ، وقال لهم : إن محمداً إبن أختكم فإن يك كاذباً كفا كموه الناس ، وإن يك صادقاً كنتم أسعد الناب به ، قالوا نعم ما رأيت قال : ﴿ فانى سأخنس بكم فاتبعونى ، فخنس فسمى الأخنس بذلك ﴾ ، وكان حلو الكلام حلو المنظر ، وكان يأتى رسول الله A ويحالسه ويظهر الإسلام ويقول : إنى أحبك ويحلف على ذلك ، وكان رسول الله A يدنى مجلسه وكان الأخنس منافقاً ، قال السدى : نزلت فى الأخنس بن شريق ، أظهر الإسلام ، ثم هرب ، فمر بقوم من المسلمين فأحرق لهم زرعاً وقتل حمراً ، وكذا قال الطبرى والدوادى أنها نزلت فى الأخنس بن شريق ، وقال عياض : ما ثبت قط أن الأخنس أسلم ، قلت : يحتمل أنه أراد ما ثبت عنده ، ولا ينافى ثبوته عند غيره ، ويحتمل أنه أراد ما ثبت أنه أسلم إسلاماً بلا نفاق ، فلا ينافى أنه أسلم ونافق ، فإن بعضاً يسلم ويخلص ، وبعضاً يسلم وينافق ، وبعضاً يسلم بلا نفاق ، ثم يرتد ، وقال قتادة وجماعة : نزلت الآية فى كل مبطن كفراً ونفاقاً أو كذباً أو ضراراً ، ويظهر بلسانه خلاف ذلك ، وكأن ألسنتهم حلوة وقلوبهم مرة كالصبر ، وفى الحياة متعلق ، بيعجب ، كما تعلم من تفسيرى أول الآية ، ويجوز تعليقه بالقول ، فمعنى قوله : ﴿ فى الحياة الدنيا ﴾ يكلمه فيها أى كلامه الذى يتكلم به فى حياته ، أو تكلمه فى أمور الدنيا ، وأسباب المعاش ، أو نكلمه فى ذم الدنيا والزهد فيها والرغبة عنها ، كما هو شأن مدعى الإيمان والمحبة ، وكان - لَعَنُه الله - يُلين القول لرسول الله A ويدعى أنه مسلم .
﴿ يُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ ﴾ : يقول الله شهيد أنى مؤمن فى قلبى كما فى لسانى ، ويحلف على ذلك بالله تعالى ، ويجوز أن يكون المعنى يشهد الله فى نفسه فى مخالفة قلبه للسانه ، سمى بقاءه على النفاق إشهاد الله للتلازم ، لأنه يلزم من بقائه على النفاق شهادة الله عليه به ، ويحتمل أن يكون المعنى يقول لله أشهد على للعبادة بما فى قلبى من النفاق ، وأخبرهم به فيبعث الله منه عملا يعرفه الناس به سمى بقاءه على والنفاق وإصراره عليه طلباً لشهادة الله عليه وإخباره العباد بما فى قلبه ، للتسويف التلازم الجملى وقرأ : ويشهد الله بفتح الياء والهاء ، ورفع اسم الجلالة وقرأ ابن مسعود : ويستشهد الله بنصب اسم الجلالة .