269
الجزء ٢ · صفحة ٤٨٦﴿ يُؤتِى الحِكْمةَ مَنْ يشاءُ ﴾ : وهى تحقيق العلم وإتقان العمل ، وقيل هى أن يحكم عليك داعى الحق لا خاطر النفس ، وأن تحكم عليكم قوانين الديان لا زواجر الشيطان ، وقيل هى الإصابة فى القول والفعل ، وقال ابن عباس : الحكمة علم القرآن ناسخهُ ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، ومقدمه ومؤخره ، وحلاله وحرامه . وقيل : القرآن والعلم والفقه ، وقيل العلم النافع المؤدى إلى العمل . وقال السدى : النبوة لأن النبى يحكم بين الناس ، وقيل : الورع ، والعلماء ثلاثة : علماء بأحكام الله فقط وهم علماء الفتوى ، وعلماء بالله فهم الحكماء ، وعلماء بالقسمين وهم والكبراء ، فالأول كالسراج يحرق نفسه ويضئ للناس ، الثانى أفضل لإشراق قلبه بمعرفة الله ونور جلاله إلا أنه كالكنز تحت التراب لا يصل إليه غيره ، والثالث كالشمس تضئ العالم أو هى فى نفسها تامة . والحكمة المنع ، ومنه حكمة الدابة لأنها تمنعها ، وقدم المفعول الأول وهو الحكمة على طريق التقديم للاهتمام ، ودل المفعول هو من أوله قوله :
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الحِكمّةَ ﴾ : إذا أناب ضمير من ونصب الحكمة ، والأصل فى باب أعطى وكسى ألا ينوب الثانى ، ودل عليهِ أيضاً أن من هو الفاعل معنى لأنه الأخذ ، قرأ يعقوب والأعمش ﴿ يؤتَ ﴾ بكسر التاء وعلى هذا فالضمير عائد إلى الله والمفعول الأول محذوف ، أى ومن يؤته الله ، والفاعل الذى ناب عنه المفعول فى القراءة الأولى ضمير الله .
﴿ فَقَدْ أُوتِىَ خَيراً كَثِيراً ﴾ : نكر خير للتعظيم ، وأفاد التكثير بقوله : ﴿ كثيرا ﴾ وهو تلك الحكمة ، إذ توصله إلى خير عظيم كثير لا يفنى .
﴿ وَما يَذَّكَّرُ إلا أولُوا الألْبابِ ﴾ : أى إلا ذوا العقول المعتبرة ، وهى الكسبية العاقلة عن الله أمره ونهيه ، فتجانب الهوى والنفس والشيطان ، والتذكر الاتعاظ بأمر الله ونهيه وآياته ، أو التفكر ، شبَّه التفكر بالتذكر لانه يستخرج بفكره علما كأنه كان عالما له فنسيه إذ أودع الله فى قلبه العلم بالقوة .