هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

273

الجزء ٢ · صفحة ٤٩٤

﴿ لِلْفُقَراء الَّذِينَ أحْصِرُوا فِى سَبِيل اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضرباً فى الأَرْضِ ﴾ : كأنه لما حث الله تبارك وتعالى على الإنفاق فى الآيات السابقات سأل سائل : لمن هى؟ فأجاب بقوله ﴿ للفقراء ﴾ ، فهو خبر لمحذوف أى الصدقات المحثوث عليها للفقراء ، أو يتعلق بفعل مقدر هكذا اعمدوا للفقراء ، أو هكذا اجعل ما تنفقونه للفقراء ، وقيل يتعلق بتنفقوا ، الأول أى ما تنفقوا للفقراء من خير فلأنفسكم ، وبين اللامين اختلاف ، لأن النفقة نفع للفقير فى الدنيا ، ونفع للمنفق فى الآخرة ، أو اللام بمعنى على ، أى ما تنفقوا على الفقراء من خير فلأنفسكم ، ومعنى : ﴿ أحصروا فى سبيل الله ﴾ ، حبسوا نفسهم على طاعة الله عموما كتعلم القرآن والصلاة وجهاد أعداء الدين ، وقيل : المراد الجهاد فى سبيل الله ، ومعنى : ﴿ لا يستطيعون ضربا ف الأرض ﴾ لا يستطيعون التفرغ للتجار وطلب المعاش لاشتغالهم بالجهاد ، وقيل لضعف أجسامهم لجراحات أصابتهم فى الجهاد فى سبيل اللَّه ، وقيل لا ستطيعون الجهاد لشدة فقرهم ، وروى أنهم فقراء المهاجرين نحو أربعمائة رجل من قريش يستكنون صفة المسجد ، يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة ، ويخرجون فى كل سرية بعثها رسول الله A ، لم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر ، يأون إلى صفة المسجد يتعلمون القرآن بالليل ، ويرضخون النوى بالنهار ، حث الله بالصدقة عليهم ، فكان من له فضل أتاهم به إذا أمسى ، والمتبادر فى عرف القرآن : من سبيل الله الجهاد ، والضرب فى الأرض الذهاب فيها أرضا ، للتجر فى عرف القرآن ، والإحصار أن يحول بين الرجل والسفر مرض أو عدو أو شغل مهم . وعن ابن عباس : وقف رسول الله A يوما على ًأحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال : « أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقى من أمتى على النعت الذى أنتم عليه راضيا بما فيه فإنه من رفقائى » . ﴿ يَحْبُهُم الجَاهِلُ ﴾ : جاهل حالهم ، أى من جهل أنهم فقراء .

﴿ أغنياءَ منَ التَّعفُّفِ ﴾ : متعلق بيحسب ، ومن للتعليل ، أى يظنهم جاهل فقرهم أغنياء لأجل تعففهم عن السؤال والتملق لصاحب المال ، والخضزع له ، والتعفف عن الشئ : تركه ، وهو تفعل من الفعةل للمبالغة ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين فى يحسبهم وتحسبهم ويحسبون ويحسبه ويحسبن فى جميع القرن ، والباقون بكسرها فى جميعه .

﴿ تَعْرِفُهم بِسِيمَاهُم ﴾ : الخطاب لرسول الله A ، أو لكل من يصلح أن بعرفهم ( بسيماهم ، وهى علامتهم من الخشوع والتواضع ، عند مجاهد ، وقال الربيع بن أنس ، والسدى ، من أثر الجهد من الحاجة والفقراء والضعف ، صفرة ألوانهم من الجوع ، ورثاثة ثيابهم ولباسهم ، ونسب لابن زيد ، وقال قو : هى أثر السجود ، واستحسنه بعضهم ، لأن همتهم الصلاة ، وهذه الأقوال غير الأولى والأخير قد تنافى قوله : ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ﴾ اللهم إلا أن يقال المعنى جاهل حالهم لا يرى فيهم شيئا مما يعرف به الفقراء من عدم التعفف ، وإنما يعرفهم بعلامتهم المذكورة من لونهم ولباسهم وضعفهم ، وقيل سيماهم هيبة تقع فى قلوب من رآهم يتواضع لهم بها لإخلاصهم ، كما أن الأسد تهابه السباع والوحوش والأنعام والدواب بطبعها لا بالتجربة ، والبازى إذا طار نفرت منهُ الطيور الضعيفة .

٩٩٤ / ٧٬٦٨٠