هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

249

الجزء ٢ · صفحة ٤٢٤

﴿ فإذا طعمتم فانتشروا ﴾ ، بل من الطعم بمعنى الذوق مثله فى قوله :

فإن شئت حرمت النساء سواكم … فإن شئت لم أطعم تفاخا ولا بردا … والنقاخ الماء العذب ، أوقع عليه الطعم ، وفيه شبه بالطعام المأكول ، لأنه يصل الجوف من الفم ، وينفع فيه وواقع الطعم أيضاً على البرد ، وهو النهوم وليس فيه نفس ذلك الشبه ، فالمراد بالطعم التناول للقليل من الشئ ، والخطاب فى سواكم للنساء تعظيمالهن ، وتصويراً لكمال عقلهن ، والمراد بقوله : ﴿ شرب منه ﴾ شرب من ماء النهر بفيه لا بواسطة كوز ويد ونحوهما ، فالمراد الكروع وهو تناول الماء من موضعه بالفم دون واسطة ياً ونحوها ، من قولك كرعت الغنم إذا خاضت الماء حتى أصاب كرعها وشربت ، فمن شرب بيده أو غيرها غارفا من النهر ، لا يقال شرب من النهر إلا مجازاً ولا يحمل على المجاز بلا قرينة ، إذ لا يتصور مجاز بدونها ، وقرأ غير نافع وأبى عمر وبإسكان منى ، ومعنى الآية : فمن شرب بفمه من النهر ، فمن حلف لا يشرب من هذا النهر لم يحنث بالشرب بيد أو إناء أو نحوهما بل بفمه من النهر عند أبى حنيفة ، وقيل يحنث بالغرف ، فإذا عرف أن الشارب من ماء النهر بيده لأأو غيرها يقال إنه شرب من النهر ، فالقسمة مثلثة : الشاربون كرعا ، والذين لم يذوقوا ماءه ، والذين اغترفوا غرفة منه ، فالقسم الأول ليس من أشياعه ، والثانى من أشياعه ، والثالث مرخص لهم فيما فعلوا فقوله :

﴿ إلاَّ مَن اغْترفَ غُرْفَةً بِيدَه ﴾ : استثناء من قوله : ﴿ فمن شرب منه فليس منى ﴾ منقطع لأن قوله : ﴿ من شرب منه ﴾ لا يشمل المغترف لما مر أنه لا يقال للمغترف من النهر إنه شرب منه ، وإن حمل على عموم المجاز كان متصلا ، وقوله ، ﴿ ومن لم يطعمه فإنه منى ﴾ معترض بين المستثنى منه والمستثنى ، وجملة الاعتراض مستأنفة فى نية التأخير فقدمت من تأخير للاعتناء بها إذ من لم يطعمه أشرف القسمين ولتكميل التقسيم بترتيب مناسب ، لأن مقابلة من كرع وشرب كل الشرب لم يذق أصلا أولى للكمال فيهما ، ولأن عدم الذوق عزيمة والغرف رخصة ، وبيان العزيمة ، أهم ، وأجاز أبو البقاء الاستثناء من قوله : ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ ورد عليه بأن ﴿ اغترف غرفة ﴾ لا يشمله من لم يطعمه إلا أن يقول الاستثناء منقطع ، أو يدعى الاستثناء من مفهوم ، فإن مفهومه أن من طعمه لا يكون منه رخصا لهم فى الغرفة الواحدة لأنها تكفى الواحد منهم بإذن الله لشربه وطعامه وما يحتاج إليه ، وذلك أن الغرفة مصدر للواحدة بفتح أوله ، وبالتآء فى آخره وإسكان وسطه ، وهو ثلاث ، ومعناه تناول الماء غرفة ، فغرفة مفعول مطلق نائب عن مصدر الغين ، وفيكون ما اسماء للماء المغروف نفسه لا لتناوله ، وعلى هذه القراءة يكون غرفة مفعولا له لاغترف ، وقيل المفتوح والمضموم لغتان بمعنى المصدر نائب عن قولك اغترافا ، والمفعول محذوف أى إلا من اغترف الماء غرفة ، أى اغترافا ، وقيل لغتان بمعنى الماء المغروف ، فهو على اللغتين مفعول به ، أى القدر الحاصل فى كفه بعد الاغتراف ، فبيده متعلق باغتراف ، أو بمحذوف نعت غرفة أى مقدارا حاصلا فى يده ، قال ابن عباس رضى الله عنهما : كانت الغرفة الواحدة يشرت منها هو ودوابه وخدمه ، ويحمل منها ، وذلك إما أن يؤذن له فى أن يأخذ بيده ما شاء مرة واحدة بقربة أو جرة ، ويكفيه المأخوذ بمرة واحد له لدوابه وخدمه وما يحتاج ، يحمل باقيه وإما أن يأخذ قدر كفه ويكفيه لذلك ، فيكون معجزة للنبى أشموئيل أو كرامة لطالوت أو معجزة وكرامة .

٩٢٤ / ٧٬٦٨٠