275
الجزء ٢ · صفحة ٤٩٩﴿ الَّذِينَ يأكْلُونَ الربا ﴾ أى يتصرفون فى مال الربا بالأخذ أو العطاء أو الأكل أو الركوب واللباس ونحو ذلك ، استعمل الإتلاف الخاص وهو أكله فى مطلق الإتلاف ، ولو بلا أكل أو بمجرد القبض ، فإن قابض الربا بالبيع متلف له عن صاحبه ، ونكتة تخصيص ذكره بلفظ الأكل أن الأكل أعظم ما يقصد بالمال ، وذلك أن كلا مشترك فى التحريم . قال A : « لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهد ه كاتبه والمحلل له » أو لأن الربا فى ذلك الزمان أشنع فى المأكول ، وإنما ذكر الربا بعد الصدقات ، لأنهُ ضدها إذ هو زيادة حسية فى الحال فى المال على وجه منهى عنه توجب النقص فى المال بعد ، وهى نقص منه حسى على وجه مأمور به ، توجب الزيادة بعد البركة والخلف والربا عندنا فى كل جنس متفق ، وفى البر مع الشعير ، والذهب مع الفضة ، ودخل فى الربا الماء بالماء كمن يبدل طيباً بماء غير طيب ، أو طيب بطيب أو مر بمر ، ويتلف أو يغيب أحد الماءين ولو فى ماء قبل حضور الآخر ، ويكون بتأخير لأجل أو بدون أجل بزيادة من بائع أو من مشتر أو بلا زيادة ، إلا إن كان قرضا فلا ربا فى القرض ، ولو زاد عند القضاء فى العدد أو فى الجودة ، إلا إن اشتراط الزيادة فى العقد ، ولا ربا إذا أحضرا معاص ، ولوكانت الزيادة ، وقيل إن كانت الزيادة قرباً ولو حضرا وهذان قولان فى المذهب ، وقولان أيضا خارجة ، ومسائل الربا والخلاف فيما يكون يستطلعه فى شرح النيل ، وكتبت الربوا بالواو لأنها أصل ألفه ولتفخيم لألفه بإمالتها إلى جهة الواو ، والقياس أن يقتصر على الواو لأنها فى مقام الألف ، ولكن زيدت بعدها ألف تشبيها بواو الجمع ، وفى بعض المصاحف كتبه بألف بعد الباء متصلة بها بلا واو على الًأل ، وقرأ حمزة والكسائى بإمالة ألف الربا بكسرة الراء ، وجوز الكوفيون تثنيته بالياء ، وكتبه بالياء وكذا الفخر الرازى أثبت التخيير بين كتبه بالواو أو بالياء أو بالألف ، قال أبو عمر والدانى : المشهور أن يكتب بالواو بعدها ألف وهو المشهور أيضا فى مصاحف العراق ، وجد القليل منها بواو دون ألف بعدها .
﴿ لا يقُومُونَ غلا كَما يَقُوم الَّذى يتخبَّطُه الشَّيْطَانُ مِنَ المسِّ ﴾ :
أى لا يقومون من قبولهم إذا بعثوا إلا كما يقوم الإنسان الذى يضر به الشيطان ضرباً فى أى موضع أصاب من جسده ، للمس الذى أصابه به ، وذلك أنه يمسه فيخبل عقله ، وبعد ذلك يعتاد المجئ إليه فيضربه فيصرعه ، ووجه الشبه السقوط عقب النهوض ، والشياطين ومطلق الجن موجودون حقاً ، وأشرك جاحدهم ، والشيطان ولو كان ضعيفاً لكن قد جعل الله له قوة فى تخييل العقول لمن شاء الله ، بل يمسه أو يتخيل له ويراه ، وذلك كله قليل ، والقليل لا ينافى المعتاد المشهور من أنا لا نراهم ، فقد رآهم سليمان وحبسهم واستعملهم فى الأعمال الشاقة ، وهو بشر مثلنا خص عناً بالرسالة والملك العظيم ، رآهم النبى A ، وقبض على واحد وأراد ربطه فى المسجد ليراه الناس ، فانظر كيف قال ليراه الناس ، فأجاز رؤيته نادراً ، وقد صَارع عمر جنيا ، وكذا غيره ، وقبض عليه أبو هريرة ، ولا مانع من دخول الجسم اللطيف فى الجسم الكثيف ، وتضرره به كالريح تدخل مسام الإنسان وتضره إذا أراد الله ، فيدخل اللطيف من الجن بعض دخول فى الجسم أو يسمه إذا سلطه الله لكما يمس السم أو غيره من المضار الموضع الرقيق فيضره ، وكما يلدغ الإنسان أو بلسع فيدخله الضرر ، ولعل بعض الجن كثيف يمس بلا دخول ، وبعضاً لطيف يمس أو يدخل ، ولو اشتهر أن الجن أجسام لطيفة ، والمصارعة والقبض عليه يقتضيان الكثافة ، وليس مسه للإنسان أو ضربه كثير معتادا ، ومعنى قوله :