هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

249

الجزء ٢ · صفحة ٤٢٥

﴿ فشر بوامِنْه ﴾ : كما شاءوا وكيف شاءوا بكرع ومعاودة وادخار لا القدر الجائز ، ومجاوزة لحد الله تعالى ، وفيه دليل على أن قوله : ﴿ إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ مستثنى من قوله : ﴿ إلا من شرب منه فليس منى ﴾ غذ لو كان مستثنى من قوله : ﴿ ومن لم يطعمه فإنه منى ﴾ لقال فطعموا منه .

﴿ إلاَّ قليلاً مِّنهُم ﴾ : فإن بعض هذا القليل لم يذوقوه وبعضه اغترف غرفة بيده ، وقرأ أبى وابن مسعود والأعمش : إلا قليل بالرفع مع أن المستثنى منه مذكور ، والكلام موجب ، فقيل ذلك لغة ضعيفة ، والظاهر أن هذا فى الاستثناء كعطف التوهم نظراً فيه إلى أن معنى : ﴿ فشربوا منه ﴾ فلم يطيعوه ، فكأنه قيل : ﴿ إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ ، فلم يطيعوه إلا قليل فرفع لتقدم النفى كمال قال الفرزدق .

إليك أمير المؤمنين رمت بنا شعوب الهوى والهو جل المتعنف

وعض زمان بابن مروان لم يدع من المال إلا مستحال أو مجلف

كان الظاهر لا مسحتا أو مجلفا بالنصب على أنه مفعول لدع ، ولكن اعتبر فى معنى لم يدع لم يبق فرفعه على الفاعلية ، فإنه يقول : لم يبق إلا مسحت أو مجلف بالرفع ، وفى رواية إلا مسحتا أو مجلف بنصب مسحت وترفع مجلف ، وقيل له : انصبهما معاً أو ارفعهما معا فقال : قلت كذلك ليشقى بن النحويون ، ولعله أراد إلا مسحتا أو شيئا هو مجلف ، أو المسحت اسم مفعول لأمسحته أى استأصله لغة نجد ، ويقول الحجازيون : أسحته بلاهم فهو مسحةت ، والمجلف المأخوذ ، وجوانبه ، والهوجل المتعسف المفازة ذات التعاسيف ، وذلك القليل ثلاثمائة وثلاث عشر رجلا عدد أهل بدر ، وقيل ثلاثة آلاف ، وقيل ألف ، والصحيح لأول لما روى أنه A قال لأصحابه يوم بدر : « أنتم اليوم بعدة أصحاب طالوت يوم لقى جالوت » وكان أصحاب رسول الله A ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، روى هذا الحديث البراء بن عازب ، وقيل أربعة آلاف ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما : أن القوم شربوا على قدر يقينهم ، فشرب الكافر شرب الهيم ، وشرب العاصون دون ذلك ، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفا ، وبقى بعض المؤمنين لم يشربوا شيئا ، وأخذ بعضهم الغرفة ، فأما من شرب كثيرا فلم يرو ، بل اشتد به العطش واسود شفته ولم يقدر أن يمضى على شاطئ النهر وجبين عن لقاء العدو ، وأما من ترك الشرب فحسنت حاله ، وكان أجلد ممن أخذ الغرفة وهكذا مثل الدنيا لطالب الآخرة من تناول منها ما يكون له كفافا استغنى وسلم ونجا ، ومن أكثر زاد رغبته فكان قلبه أشد حرصا ممن لم يكن له مال فيهلك بذلك ، كشرب الماء المالح يزداد بزيادته عطشا .

٩٢٥ / ٧٬٦٨٠