سورة عبس
الجزء ١ · صفحة ٦٤قال تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَن جَآءَهُ الاَعْمَى)، تصدرت هذه الافتتاحية بأفعال على صيغة الغائب أضمرت فواعلها، لا للحطّ من قيمة رسول الله، بل بالعكس، إجلاله لشهرته ومنزلته عند النّاس وللتّشويق والتّنبيه بأنّ المحكي عنه حدث عظيم، إذ ليس مجرّد معاملة فرد من النّاس أو جماعة منهم، بل الأمر أهمّ من ذلك في منهج الله وفي مبادئ القيم التي يجب على المجتمع المسلم أن يزن ويقدّر بها الأشياء، فالرّسول كان يدعو قوما لهم مكانتهم في المجتمع، ولهم تأثير على كثير من أتباعهم لو قدّر الله لهم الهداية. فقد تصرف الرّسول مع هؤلاء بطبيعته البشرية حرصا منه على نجاح دعوته، فترك الأحوط والأفضل في ميزان الله فلم يقترف بذلك ذنبا … -حاشاه- فجاء هذا التّوجيه الرّباني ليرسم الطّريق الأسلم للدعاة من خلال إمامهم الأعظم الرّسول الأكرم.
فكان هذا الأسلوب اللّطيف في حكاية واقع عبد الله بن أمّ مكتوم معه، حين أشاح عنه الرّسول بوجهه كارها أن يقطع كلامه مع كبار القوم، ومع لطافة التّعبير فإنّ عتاب الله لرسوله حادّ إذ كشف للرجل الأعمى ما لم يكن يراه من علامات العبوس فيعود بذلك جريح النّفس.
(وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعُهُ الذِّكْرَى): التفات من أسلوب الغيبة إلى أسلوب الخطاب لتفيد الدّافع النّفسيّ الخفيّ لذلك السّلوك، فجاء ذلك الاستفهام التّنبيهي للرّسول بأن يظن خيرا بذلك الأعمى في حرصه على التطهّر من ذنوبه بسبب ما يتلقّاه من إرشادك أيها الرّسول أو يتذكّر بما يسمعه من المواعظ لينتفع بها، وفي هذا مدح للأعمى وإيماء للمشركين بأنه لا ترجى هدايتهم.
(أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنتَ لَهُ تَصَّدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى): انتقال إلى العتاب الصّريح في كيفية تعامله مع الطّرفين: