سورة التكوير
الجزء ١ · صفحة ٨٢إنه قسم عظيم من مقسِم عظيم، على مقسَم عليه عظيم، وقد تقدم بيان معنى: (لآَ أُقْسِمُ) بأنّه في استعمالات العرب توكيد للقسم للاهتمام بالخبر بعده وأن: (لآَ) زائدة، والمقسم به ظواهر كونية عظيمة مما يشاهده المخاطبون في قبّة السّماء من تلك الكواكب التي شبهها الله في حركتها ودوراتها الفلكية ظهورا واختفاء شبهها بالظّباء أو الأبقار الوحشية في البريّة، تخرج وتختفي في كناسها، أي مخابئها ومغاراتها، فتلك الكواكب لا ترى في النّهار لغلبة ضوء الشّمس وتظهر باللّيل، وقد رسم الله الإطار الزّماني لتلك الحركة الرّشيقة فقال: (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ)، وهي مقابلة بين ظلمة اللّيل وإشراقة النّهار، واختير لها من الألفاظ ما يضفي عليها مسحة من الجمال ونبض الحياة بالتّنفس والحركة تتجاوب معه روح الإنسان لتتلقى الحقائق من خالق تلك الظّواهر الكونية العظيمة.
وفي المقسم عليه قال تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ)، الضّمير في: (إِنَّهُ) يعود إلى القرآن، أي القرآن النّاطق بتلك المشاهد المهولة، وهو كلام الله المنزل بواسطة رسول كريم هو جبريل عليه السلام، وأضيف القول إليه على اعتبار أنه حامله من عند الله ومبلّغه، وهو ذو مكانة عظيمة عند الله وعند الملإ الأعلى وصفه الله بأربع صفات: