سورة الانفطار
الجزء ١ · صفحة ٨٨وما قيل في التّحقيق البياني عن افتتاحية "التّكوير" يقال مثله في هذه الافتتاحية المشوّقة بـ (إِذَا)، وأفعال شرطها وجوابها، والبدء بانفطار السّماء هو أدعى للشّعور بالهول، وقد تعددت التّعابير في القرآن لتصوير ذلك الانقلاب الكوني العظيم، إذ أن تملّي الخلائق لجمال السّماء وهي محفوظة متناسقة بقدرة الله يبعث الأنس والاطمئنان في النّفوس، وحين تتصدع وتنشق وتتناثر كواكبها وقد انفرط عقد نظامها المحكم فأية نفس لا تنخلع لذلك الحدث المهول، وإلى أين تلجأ أمام الطّوفان الذي يغمر الأرض وقد فجّرت بحارها وماج بعضها في بعض وزالت حواجزها أو سجّرت لتشتعل نارا تفكك عناصر مياهها، وإذا الأرض أخرجت أثقالها وقد قلبت بطنا على ظهر فأخرج ما كان مدفونا فيها من رفات الموتى إيذانا ليوم البعث والنّشور. إذا وقعت تلك الأحداث بأمر الله علمت نفس ما قدّمت وأخّرت، وهو جواب الشّرط، والمراد بعلم النّاس يومئذ بما قدّموا وأخروا من أعمالهم في الدّنيا هو حصول اليقين لهم بذلك بعد غلبة الشّك والسّهو عليهم في الدّنيا إذ تنكشف لهم الأشياء يومئذ على حقيقتها، ومن ذلك علم كل نفس بما قدمته من أعمال خير بادرت بها في الدّنيا وما أخرته تكاسلا وإهمالا وذلك بالاطلاع على ما في صحائف الأعمال، استعدادا للحساب.
وبما أن واقع الإنسان في حاضره الدّنيويّ هو في الغالب سهو وغفلة عن واجب الطّاعة والشّكر لله فقد وجّه الله هذا العتاب الضمني والمبطّن بوعيد خفيّ يذكّر الإنسان بأعظم نعم الله عليه نعمة الإيجاد والخلق في أبدع صورة معتدلة سويّة فقال تعالى: (يَآ أَيُّهَا الاِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَّلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ).