سورة الأعلى
الجزء ١ · صفحة ١٣٨كان الرّسول يعاني شدّة في تلقيه الوحي فيتعجل قراءة ما يوحي به جبريل قبل إنهاء الوحي مخافة النّسيان كما تقدّم ذلك في سورة "القيامة"، وفي هذه الآية يطمئنه ربّه برفع ذلك العناء عنه فيمكنه من حفظ ما يوحي إليه فلا ينساه أبدا إلا ما شاء الله أن ينساه من ذلك لحكمة يريدها، فقال أكثر المفسّرين بأن المراد به هو النّسخ لما يريد الله أن يرفع تلاوته أو حكمه. فأي تطمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلقى الوعد الإلهيّ بأنه هو الحافظ لكتابه في عملية إنزاله وحيا على قلب رسوله حتى تبليغه للأمة غضا طريّا كما أنزل، وهو الأميّ لا يقرأ ولا يكتب. ثم أكّد الله وعده بقوله: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى)، أي إنه تعالى يحيط علمه بما يجهر به عباده وما يخفونه من أقوال وأفعال، بل حتى من خواطرهم النّفسية فلا تخفى عنه خافية. ثم تليها البشرى الثّانية للرسول ومن خلاله لأمته فقال:
ب) - (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى): وقد كان طابع هذا الدّين هو اليسر في جميع أحكامه، غير أنّ وعد الله عامّ يشمل كل مجالات الحياة حيثما تتعقد مشاكلها وتتعدد متاعبها فإنه تعالى يوفق المؤمنين الأوفياء إلى أيسر الأمور ويذلل أمامهم الصّعاب، فالتيسير هو من خصائص هذا الدّين الحنيف لأنه يستمدّ من نور الله قوته ويتجاوب مع حقائق الوجود بروح العقيدة والإيمان، وكان رسول الله ما خيّر بين أمرين، إلا اختار أيسرهما، وكان هديه اليسر وعدم التّكليف في لباسه وطعامه وشرابه وفي جميع أحواله وكان يوصي أصحابه بقوله: «يسّروا ولا تعسّروا وبشروا ولا تنفروا»(1). وحسبه فخرا وشرفا في ذلك تلك الأوصاف التي أضفاها الله عليه، أجمعها وأبلغها قوله تعالى:
(1) - رواه البخاري من حديث أنس، كتاب العلم، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، رقم 69.