نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأعلى

الجزء ١ · صفحة ١٤٠

ولعل الأصوب -والله أعلم- أن التّذكير مطلوب، وإن أعرض عنه البعض، والله يقول في هذا المعنى: (وَإِذْ قَالَتُ امَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمُ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الأعراف:164). والله وحده هو العليم بدوافع النّفوس وخفاياها، وهو الذي يهيّئهم لما يصلح بهم وهم على فريقين: (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَّخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الاَشْقَى، الذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى، ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى)، فالسّين للتنفيس، ويدل على أن تأثير التّذكير سريع إلى نفس من يخشى نقمة الله وعذابه. وخشية الله هي نتيجة لاستشعار قلب المؤمن عظمة الله وقدرته بحيث إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وهي حالة نفسية يتفاوت فيها الأبرار إلى درجة المقربين.

(وَيَتَجَنَّبُهَا الاَشْقَى، الذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى، ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى): (يَتَجَنَّبُهَا): الضّمير يعود إلى الذّكرى يعرض عنها الأشقى، أي الذي بلغ الغاية من الشّقاوة وهو الكافر الجاحد لوجود الله ومبادئ العقيدة الإسلامية مطلقا، ودونه الشّقيّ وهو الفاسق العاصي المصرّ على الفواحش والآثام، وكون الأشقى يصلى النّار الكبرى، وهي نار جهنم في دركاتها السّفلى، فهو خالد فيها لا يموت فيها ولا يحيى. ويقابله حكم الله للسعداء بالنّجاة والفلاح نتيجة تزكية نفوسهم وقيامهم بما كلفهم الله به: (قَدَ اَفْلَحَ مَن تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)، وتقديم التّرهيب عن التّرغيب مناسب لمقام التّذكير الذي كان ولا يزال الوسيلة المطلوبة من الدّاعين إلى الله مهما استشرى الفساد والظّلم، وقد جعل الله للفوز والفلاح في الدّنيا والآخرة وسيلتين تلخصان أصول العقيدة والشّريعة مما فصّلته الآيات الأخرى، فذكر:

٦٬٣١٩ / ٦٬٧٦٧