سورة الغاشية
الجزء ١ · صفحة ١٤٥ثم إن الوجه هو المرآة التي تنعكس عليها الحالة النّفسية للإنسان كما قال تعالى: (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) (المطففين:24).
وقال الشّاعر:
لا تسأل المرء عن خلائقه … في وجهه شاهد من الخبر
وصف الله تلك الوجوه الشّقية بأوصاف مرهقة مشينة فهي: (خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ). خَاشِعَةٌ من الذّلة والمهانة خوفا وانتظارا لما يستحقونه من الشّقاء والعذاب. (عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ): أي أنهم لم يعملوا ولم يتعبوا أنفسهم في طاعة الله وامتثال أوامره في الدّنيا فجازاهم الله بالإرهاق في الأعمال الشّاقة وهم مكبلون بالأغلال، أو أنها عملت وتعبت في دنياها لغير الله فزادها ذلك تعبا ورهقا في الحياة الباقية، إذ لم تجد إلا الخيبة والخسران، ومع ذلك التّعب والإرهاق اللذين يتطلبان مزيدا من قوة الغذاء والشّراب، ولكنهم لا يجدون منها إلا ما يضيف لهم عذابا ورهقا: (تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً، تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ ـ انِيَةٍ)، وليت النّار تلتهمهم فيستريحون من العذاب ولكنهم كما قال تعالى: (لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى) (طه:74). وأية حياة يكون غذاؤها من ضريع، وهو المعروف بشوكه السّام وتعافه حتى الدواب، لما فيه من الإضرار بالصّحة ويكون شرابها من المياه الحارة التي تقطع الأمعاء. وليت هذه الأوصاف تنطبق على ما تألفه في الدّنيا، وهيهات بل إن ذلك مما يفوق تصورنا الدّنيوي، إذ ليس من ذلك في الآخرة إلا الأسماء كما قال ابن عباس.
وفي المقابل يذكر الله فريق السّعداء الأبرار فيقول: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ، لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، لاَّ تُسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةٌ، فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ، فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ).