سورة الفجر
الجزء ١ · صفحة ١٦٥يومئذ يتذكّر الإنسان وأنى له الذّكرى: (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)، أي يتذكر الغافل عن حكمة ربّه والمتهاون في أداء حقّه عليه من الإيمان والطّاعة وحسن الانقياد والمقصّر في الوفاء بحقوق خلائقه وفق ما شرعه من الأحكام، مثل هذا الإنسان المخذول في ذلك الموقف يتذكّر ويتعظ بما يرى من الشّدائد والأهوال ولكن لا ينفعه ذلك فلات ساعة ندم وتحسّر، وقد انتهت فترة العمل في الحياة الدّنيا كما انتهت فرصة التّوبة بالغرغرة، ولا تنفعه الأماني الكاذبة حين يقول: (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)، أي قدمت العمل الصّالح لحياتي الحقيقية، الحياة الباقية، فماذا بعد الحسرة والتّمنيات الكاذبة غير العذاب المنتظر.
(فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ، وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ): إنه عذاب الله العزيز الجبّار لا يوازيه عذاب الطغاة في الدّنيا، وإنه وثاقه المحكم بأغلال وسلاسل جهنم كما تفصلها مشاهد أخرى في القرآن الكريم، وفي هذا التّهديد إيناس وتثبيت للرسول والمؤمنين.
وفي ذلك الموقف الرّهيب والتّهديد الرّعيب ينعم المتّقون الأبرار بالأمن والطّمأنينة، فينادون نداء التّكريم من قبل الله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي).
إنها البشارة العلوية النّدية للتّأنيس والتّكريم، وخطاب النّفس في ذات الكائن الحيّ لأنها تمثل حقيقة تلك الذّات في كل خصائصها الإنسانية وتوهّبه أعمالها وتعكس أحاسيسها ومشاعرها فهي النّفخة من روح الله حلّت بالجسد الفاني ليصبح مؤهلا للتّكليف والاختبار قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (الشمس:7 - 8).