سورة البلد
الجزء ١ · صفحة ١٧٢وبما أن انحراف الإنسان المغرور كان من قبل وفرة ماله وكيفية إنفاقه فإنه تعالى صوّر طريق النّجاة الأبدية بـ (الْعَقَبَةَ)، وهي الطّريق الوعر الصّاعد، والذي يستدعي قوة وجهدا لاجتيازه. وهو معنى الاقتحام الذي ينسجم مع مضمون الجملة: (لَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ فِي كَبَدٍ)، فإن طريق الجنة محفوفة بالمكاره، فما على الإنسان الموفق المؤمن إلا أن يخترق موانع تلك الطّريق بكبت جماح نفسه ووساوس الشّيطان، ويحمل نفسه على طاعة الله ببذل ما تفضل عليه من أموال في ما أرشده الله إليه بعد هذا الاستفهام التّعظيمي بقوله: (وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ)، أي شيء أعلمك باقتحام العقبة.
ثم أرشدنا إلى الوسيلة الأمثل لاقتحامها فقال: (فَكُّ رَقَبَةٍ، اَوِ اِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، اَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ)، فرق الفقهاء بين فك الرّقبة وعتقها، فقالوا: فك الرّقبة هو المشاركة في عتقها والعتق هو التّفرّد بذلك.
وفي توجيه الإنفاق إلى هذا المجال الاجتماعي في كثير من السّور المكيّة يعكس الوضع المتردّي في المجتمع الجاهلي بما كان يعانيه المستضعفون من أنواع الذّلة والحرمان سيما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خصّ الله بالذّكر أشدّ النّاس حاجة إلى المعونة فقال:
أ) - (فَكُّ رَقَبَةٍ): المشاركة في فك أسار الرّقيق هو أقلّ ما يطلبه من صاحب المال، والعتق الكامل هو أشدّ مكرمة عند الله، ويبدو أن البدء بها هو دليل على أفضليتها عند الله لما لحرية الإنسان من قيمة وقدر في الإسلام.
وفي الاتفاق لسدّ حاجات المعوزين قدّم اليتيم القريب فقال:
ب) - (اَوِ اِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ): وفي أيام المجاعة تعظم قيمة الإنفاق على الإطعام نظرا لشحّ النّفس بالمال في تلك الوضعية والإطعام لليتيم القريب هو صدقة وقربى.