نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سُورة النّاس

الجزء ١ · صفحة ٥٤

جاءت أحداث القصّة مختصرة ومتعاقبة، فبعد التّذكير والتّرفّق في دعوة فرعون إلى الله طلب من موسى آية تثبت دعواه، فأراه الآية الكبرى في قلب العصا حيّة وفي إخراج اليد بيضاء من غير سوء، ولكن الطّاغية بادر إلى التّكذيب والعصيان زاعما أن ذلك هو نوع من السّحر فتولّى عن موسى ليتدبّر أمره في مواجهته بالمثل، أي في إجراء مباراة بين موسى وبين السّحرة الذين جمعهم من أرجاء مملكته، وقد تطلب ذلك فترة زمنية للإعداد فجاء العطف بـ"ثم" للتراخي، وحتى يركّز سلطته في نفوس رعاياه حشر الجموع الغافلة الذّليلة ليتطاول أمامها إلى مقام الرّبوبية العليا، فأصبح فرعون بذلك مثلا للطغيان والاستبداد عبر القرون والأجيال، ولكن الله القويّ القاهر يمنّ على المستضعفين ويهيّئ لهم أسباب التّحرّر والانعتاق. والنّصّ يطوي أحداث إيمان السّحرة وخروج بني إسرائيل من مصر ليسدل السّتار على ما كان من مئال الطّاغية وجنوده من العذاب والنّكال بالإغراق في اليمّ عقابا دنيويا عاجلا، ثم ما ينالهم من العذاب الأخروي وهو أشدّ وأبقى، ولذلك تقدم في الذّكر، ويأتي التّعقيب بقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَالِكَ لَعِبْرَةً لِّمَنْ يَّخْشَى)، فالعبرة من صروف الدّهر لا تتأتى إلا لمن عرف ربّه وخشيه عن ظهر غيب.

فأين قوة أولئك المنكرين لدعوة رسول الله من قوة فرعون وجبروته؟، ولكنّهم لا يعتبرون، والله لا يهدي القوم الظّالمين، غير أنه تعالى يريد أن يقنعهم بمظاهر قوته في أرجاء الكون وهم لا يستطيعون إنكارها فقال تعالى: (ءَآنتُمُ أَشَدُّ خَلْقًا اَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا، وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا، وَالاَرْضَ بَعْدَ ذَالِكَ دَحَاهَآ، أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا، مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ).

٦٬٥٠١ / ٦٬٧٦٧