سُورة النّاس
الجزء ١ · صفحة ١١١بدأ الله بالفريق المؤمن لأنّه المختار المرضي عنه، تكرمهم الملائكة بإيتاء كتب أعمالهم بأيمانهم علامة على الفوز والنّجاة، أما قوله تعالى: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا)، فهو لمجرّد عرض أعماله عليه فيجازى على حسناته التي رجحت كفّة ميزانها ويتجاوز عن سيئاته بفضل الله ورحمته؛ لأن من نوقش الحساب يوم القيامة عذبّ كما ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذّب، قالت: فقلت: أفليس الله تعالى قال: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا)، قال: ليس ذاك بالحساب، ولكن ذاك العرض، ومن نوقش الحساب يوم القيامة عذّب».(1)
ثم قال تعالى: (وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا)، أي يرجع إلى أهله الصّالحين في الدّنيا ممن كان له الفضل عليهم في تربيتهم وتنشئتهم على الصّالحات فيجمعه الله بهم في الجنة مما يزيد في متعته وسروره؛ لأنه تعالى يقول: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنَ -ابَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلآَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ) (الرّعد:23).
وأمّا الفريق الثّاني، وهم الكافرون الضّالون فيهانون بإعطاء كتب أعمالهم بشمالهم ومن وراء ظهورهم علامة على الشّقاء، وتتعطل أيمانهم فلا يستطيعون التّناول بها، فإذا علموا ما في كتبهم نادوا بالثّبور وتمنّوا لأنفسهم الهلاك وقد علموا ما ينتظرهم من عذاب السّعير، فما أشقى الإنسان الذي يتمنّى الموت لنفسه قبل حلول أجله، لأنّ ذلك غاية التّعاسة والشّقاء كما قال المتنبي:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا … وحسب المنايا أن يكنّ أمانيًا
(1) - رواه البخاري، كتاب العلم، باب من سمع شيئا فلم يفهمه فراجع فيه حتى يفهمه، رقم 102.