سُورة النّاس
الجزء ١ · صفحة ١١٩لقد تعدّدت الرّوايات في ذكر تفاصيل قصة أصحاب الأخدود، وقد علّق عليها الإمام ابن عاشور بما نجتزئ به في هذا الموضوع مما يكون فيه العبرة إذ قال: "وهذه قصة اختلف الرّواة في تعيينها وفي تعيين المراد منها في هذه الآية. والرّوايات كلها تقتضي أن المفتونين بالأخدود قوم اتبعوا النّصرانية في بلاد اليمن على أكثر الرّوايات، أو في بلاد الحبشة على بعض الرّوايات، وذكرت فيها روايات متقاربة تختلف بالإجمال والتّفصيل، والتّرتيب والزّيادة، والتّعيين، وأصحها ما رواه مسلم والتّرمذي عن صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قصّ هذه القصّة على أصحابه، وليس فيما روي تصريح بأنّ النبي ساقها تفسيرا لهذه الآية"، ثم قال: "وعن مقاتل: كان الذين اتخذوا الأخاديد في ثلاث من البلاد: بنجران، والشّام، وبفارس".(1)
قلت: ما أكثر الطّغاة المتجبرين في أنحاء العالم قديما وحديثا ممن عذبوا المؤمنين على عقيدتهم فدمّرهم الله.
د) - البيان والتّفسير:
(وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قُتِلَ أَصْحَابُ الاُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُومِنِينَ شُهُودٌ): يقسم الله تعالى في مفتتح السّورة بثلاثة أشياء من مخلوقاته العظيمة للدّلالة على قدرته وبديع صنعه، فبدأ بما هو مشاهد ولكنه ما يزال مجالا رحبا لكشوفات العلماء بدأ بالسّماء ووصفها بأنها ذات البروج، جمع: برج. يقول عنها علماء الفلك: هي منازل الكواكب والنّجوم في السّماء على خطوط سيرها ومداراتها تكون الشّمس في سمتها مدة شهر، وهي اثنا عشر برجا تقطعها الشّمس في سنة ويكون لذلك أثره على الأرض بتعاقب الفصول.
وهذه الظّاهرة الفلكية هي من عالم الشّهادة المحدّد في إطار المادة والزّمان والمكان والمتصل بالحياة الدّنيا.
(1) - التّحرير والتّنوير: 30/ 241.