سُورة النّاس
الجزء ١ · صفحة ١٥٥وقد حاول المفسّرون أن يحدّدوا المقصود لكل من الفجر واللّيالي العشر والليل وكذا المقصود من الشّفع والوتر، فلم يجدوا من السّنة ما يعتمدون عليه في ذلك إلا باللجوء إلى الاجتهاد والتّأويل، فإذا كان المقصود من القسم هو تحقيق المقسم عليه وتأكيده، فإننا نجد في مجموع الآيات الواقعة بعده والتي تدلّ على جواب القسم، نجد إخبار الله بإهلاك بعض الأمم السّابقة لفسادها وطغيانها وتكذيب رسلها، والكلام البليغ لا يغفل عن إيجاد المناسبة بين المقسم به والمقسم عليه، ولم يكد المفسّرون قديما وحديثا يتعرضون إلى ذلك، وأغلبهم اكتفى بذكر بعض العبادات أو المناسك الموقوتة في تلك الأزمنة.
وقد قرأت للأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، في تفسيره (معارج التّفكّر ودقائق التّدبّر) عند تفسيره لهذه السّورة الكريمة، وجدت له ملحظا دقيقا في إيجاد المناسبة بين المقسم به والمقسم عليه، إذ قال ما ملخصّه:
أ) - في ذكر القسم بـ (الْفَجْرِ): لقد أهلك الله ثمودا بالصّيحة مصبحين -أي عند الفجر- كما قال تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ، فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الحجر:83 - 84). وكما قال عن إهلاك قوم لوط: (وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَالِكَ الاَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآَءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ) (الحجر:66).
قلت: إنّ من المخطّطات الحربية قديما وحديثا أن يغار على أهداف العدوّ في وقت الفجر، قال تعالى في هذا الشّأن: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) (العاديات:1 - 5).
ب) - (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ): والشّفيع: هو الزّوج من كل شيء، والوتر: الفرد ومن الصّلاة الشّفع والوتر، وقال المفسّرون كل الخلائق شفع: (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ) (الذّاريات:49). والله وحده الفرد الصّمد.