سُورة النّاس
الجزء ١ · صفحة ١٧١ثم يجابهه تعالى بهذا التّذكير بحقيقة نفسه وكيف يمكن أن يكون لولا أنه تعالى أنعم عليه بما جعله بشرا سويّا بما أفاض عليه من نعمه في تكوينه الخاص وبما زوّده به من قدرات في خصائص طبيعته، فقال تعالى: (اَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)، والاستفهام تقريري يذكّر به الله ذلك المغرور بقوته وماله بنعمتي الإبصار والنّطق كيف منحه الله حواسّهما في صنع محكم ودقة متناهية لينتفع بهما في عالمه المشاهد ويمتاز بقدرة النّطق دون المخلوقات الأخرى حتى وصفه العلماء بالحيوان النّاطق.
ثم منحه القدرة على التّمييز بين الخير والشّرّ وبين الحق والباطل: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)، فهو بقوة إدراكه وبما أودعه الله في فطرته يستطيع التّوصّل إلى معرفة غاية خلقته من معرفة الله وعبادته، والتّعبير: بـ (هَدَيْنَاهُ) يدلّ على أنه تعالى قد استنفد وسائل الهداية لهذا الإنسان للتمييز بين الخير والشّرّ سواء بما زوّده به من وسائل الإدراك أو بما أنزل إليه من وحي السّماء بواسطة رسله، فالإنسان بذلك مزدوج الاستعداد في ما يختاره وهو مرهون باختياره ذلك يوم يقوم الحساب.
ولذلك بيّن الله له الطّريق الأفضل الذي يضمن له السّعادة الأبدية فقال تعالى: (فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، اَوِ اِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، اَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ).