سُورة النّاس
الجزء ١ · صفحة ١٨٨ترد في أسباب النّزول روايات يعضد بعضها بعضا، خلاصتها أنّ الوحي فتر عن رسول الله إذ أبطأ جبريل عليه السلام عنه لمدة فقال المشركون: ودّع محمدا ربّه وقلاه، فأنزل الله تعالى هذه السّورة لتواسيه وتسلّيه.
أقسم الله بظاهرتين كونيتين تتعاقبان وترسمان الإطار الزّماني الذي نعيش فيه، فبدأ بالضّحى وقت ارتفاع الشّمس أو النّهار، وفيه إيماء لبدء نزول الوحي ساطعا وهّاجا سوف ينتشر ضياؤه كما ينتشر ضياء الشّمس وهي تعلو في كبد السّماء، وقابل ضياء الضّحى بظلمة اللّيل تغطّي الكون مثل سجوّ المرء بالغطاء، وكان الرّسول يتهجّد فيه ويتلو القرآن، كما أشارت إلى ذلك فواتح سورة المزمّل، وفي القسم بآيتي الزّمان ردّ لمزاعم المشركين في دعواهم معرفة ما يسفر عنه الزّمان من أحداث هي من تدبير الله وحده: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا) (لقمان:34).
والمقسم عليه هو قوله تعالى: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى)، (مَا): نافية، والتّوديع يكون للمسافر على أمل اللّقاء به مرة أخرى، أي ما قطع الله صلته بك عن طريق الوحي كما يقطع السّفر الصّلة بين الحبيبين، وما أبغضك كما يزعم خصومك، وحذف المفعول من (قَلَى) اكتفاء بالمفعول المذكور في الجملة الأولى، وتتجلّى حكمة الله في هذا الانقطاع المؤقت للوحي في أمرين:
أ) - التّخفيف عن رسول الله من معاناته الأولى من بدء نزول الوحي عليه كما ترويه السّيرة مع زوجه خديجة وابن عمّها ورقة بن نوفل.
ب) - إثارة التّشويق في نفسه الشّريفة لذلك الأفق الرّوحاني واتصاله بالملإ الأعلى.