نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سُورة النّاس

الجزء ١ · صفحة ١٩١

كانت هذه ألطاف ربّه قبل أن يبعثه الله رسولا، كل واحدة منها لها أثرها الإيجابي في بناء شخصيته وإعدادها للاتصال بالملإ الأعلى.

وفي مقابل تلك النّعم وصاه الله بوصايا ثلاث تندرج في الأخلاق الاجتماعية التي يحتاج إليها في مسار دعوته فقال تعالى:

(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ):

جاء الرّبط لهذه الوصايا الثّلاث بالفاء الفصيحة، متصلة: بـ (أَمَّا) التّفصيلية والتي تفيد الشّرط، فنهى عن قهر اليتيم وإذلاله بأي نوع من الإهانة أو الظّلم، وذلك زيادة على إكرامه بأداء حقّه وصون ماله والقيام على حسن تربيته، فتلك واجبات مادية يجب توفيرها له من طرفه كاملة، وهذه الوصية تهتم بالواجب المعنوي في معاملة اليتيم بلطف ورفق، وقد أوصى رسول الله برعاية الأيتام في كثير من الأحاديث، وهذه الوصايا لا تخصّه وحده، بل هي لكل الأمة من خلال شخصيته الشّريفة.

ب) - (وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ): فكل من اليتيم والسّائل في الجملتين منصوب على المفعولية قدّما للاهتمام بشأنهما، والسّائل يحتمل أن يكون بمعنى طلب المعرفة بالشيء أو بمعنى طلب شيء من غيره، كالمال أو المتاع، وفي كلتا الحالتين يلتزم المسؤول الرّدّ بالإحسان لكل مسترشد يطلب علما أو محتاج يطلب مالا أو مساعدة لأنّ الرّدّ الجميل بالإيجاب أو السّلب يجعل السّائل يحسّ بالكرامة فيشجعه ذلك على زيادة المعرفة أو على الأمل والرّجاء في انفراج أزمته.

كما قال الشّاعر:

لا خيل عندك تهديها ولا مال … فليسعد النّطق إن لم يسعف الحال

والكلمة الطيّبة صدقة كما ورد في الحديث.(1)

(1) - رواه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب الجهاد والسير، باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر، رقم 2891

٦٬٦٣٨ / ٦٬٧٦٧