سُورة النّاس
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠أقسم الله في مفتتح السّورة بأربعة أشياء لها منافعها وقدسيتها، فأقسم بثمرتين معروفتين، الأولى هي ثمرة التّين وهي كما قال ابن عباس: "هو تينكم الذي تأكلون"، فهي فاكهة مهمّة التّناول لا يرمى منها شيء لذيذة الطّعم متنوعة الألوان منافعها جمّة للجسم غذاء ودواء، لم يتردد اسمها كثيرا في القرآن، على عكس الزّيتون فقد ذكرت شجرته ووصفت بالبركة كما ذكرت الثّمرة باسمها كثيرا، يقول عنها ابن عباس: "وزيتونكم الذي تعصرون منه الزّيت". وإليها الإشارة في قوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سِينَآءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلاَكِلِينَ) (المؤمنون:20). ولاشك أنّ قسم الله بهما للفت الأنظار إلى بديع صنعه وإلى التّدبّر والتّوجيه إلى ما فيهما من خصائص وفوائد إذ هما يوجدان في منبت واحد في مناخ متحد.
وبما أن المقسمين بهما الباقيين هما اسما مكان خاصّ فإن بعض المفسّرين يرون أن التّناسب بين هذه المقسمات بها يقتضي أن يجعلوا الفاكهتين: التين والزيتون قسما بمنبتيهما وكلاهما ينبت في بيت المقدس، فيكون الله تعالى قد أقسم بالبقاع المقدسة الثلاثة التي شرّفها الله تعالى بالوحي، إذ قال بعدها: (وَطُورِ سِينِينَ، وَهَذَا الْبَلَدِ الاَمِينِ)، فطور سنين أو طور سيناء، هو الجبل المقدس الذي كلم فيه موسى عليه السلام، وهذا البلد الأمين، أشار إليه بالقريب مراعاة للمخاطبين من أهل الحرم المكيّ، ووصفه: "بالأمين" لقوله تعالى:
أ) - (أَوَلَمْ يَرَوَا اَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا -امِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمُ) (العنكبوت:67)
ب) - (فِيهِ ءَايَاتُم بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامَنًا) (آل عمران:97)
فيكون القسم قد جمع بين أولي العزم من الرّسل: عيسى في بيت المقدس، وموسى في جبل الطّور، ومحمد في مكة المكرمة، والله أعلم.