سُورة النّاس
الجزء ١ · صفحة ٢١٧قال الله تبارك وتعالى: (إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ): إنها آيات جمعت من عبارات التّنويه والتّعظيم ونسّقت من أوصاف الشّرف والتّقديس ما يستحقه ذلك الحدث العظيم لأول اتصال الأرض بالملإ الأعلى في بدء إنزال وحي الله على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآنا معجزا في مبناه ومعناه متحديا بإعجازه جميع العالمين وشاهدا ببلاغة صياغته على أنه الحق والصّدق من لدن حكيم خبير، وتكاد هذه الافتتاحية المباركة للسورة الكريمة تفصح عن عظمتها وقدسيتها، وهي تذيع خبر ذلك الحدث المقدس على مسمع الدّنيا فيتجاوب معها الوجود، حمدا وتسبيحا للخالق المعبود.
ونلمس بلاغة التّعبير، وعمق التّصوير والتّنوير في ما يلي:
أ) - التّعبير بنون العظمة في: (إِنَّا)، ومن فعل: (أَنزَلْنَاهُ)؛ لأن المخبر هو الله الخالق العظيم.
ب) - التّعبير بالإنزال للشيء يكون من علوّ إلى أسفل لما يحمله المنزّل من الخير والبركة إلى المنزل إليه، ولم يفصح بالشيء المنزل بل أشير إليه بضمير الغائب: "الهاء" دون أن يسبق له ذكر في الجملة، لاشتهار ذلك الشيء المنزل وحضوره في أذهان المخاطبين، وهو القرآن العظيم.
ج) - تأكيد خبر الإنزال بـ"إن" والجملة الفعلية.
د) - وصف ظرف الإنزال بليلة القدر، ومن معاني القدر الشّرف والفضل وعلوّ المنزلة، كما يحمل -أيضا- معنى تقدير الأمور وتقريرها كما سبقت في علم الله الأزليّ.