سُورة النّاس
الجزء ١ · صفحة ٢٦٩في الإجابة على هذا السّؤال أنقل بشيء من التّصرف ما أورده الإمام ابن عاشور في تفسير التّحرير والتّنوير حيث قال: "وقريش: لقب الجدّ الذي يجمع بطونا كثيرة، وهو فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة، ولقب فهر بلقب قريش تصغير قرش، الحوت القويّ المعروف، فجميع أهل مكة هم قريش، وفيهم كانت مناصب أهل مكة في الجاهلية موزعة بينهم. وكان الذي سنّ لهم هاتين الرحلتين رحلتي الشّتاء والصّيف هو هاشم بن عبد مناف، وسبب ذلك أنهم كانوا تعتريهم خصاصة، فإذا لم يجد أهل بيت طعاما لقوتهم حمل رب البيت عياله إلى موضع معروف، فضرب عليهم خباء وبقوا فيه حتى يموتوا جوعا ويسمّى ذلك "بالاعتفار"، فحدث أن أهل بيت من بني مخزوم أصابتهم فاقة شديدة فهمّوا بالاعتفار، فبلغ خبرهم هاشمًا؛ لأن أحد أبنائهم كان تربا لأسد بن هاشم، فقام هاشم خطيبا في قريش فقال: إنكم أحدثتم حدثا تقلّون فيه وتكثر العرب، وتذلّون وتعزّ العرب، وأنتم أهل حرم الله والنّاس لكم تبع، ويكاد هذا الاعتفار يأتي عليكم. ثم جمع كل بني أب على رحلتين للتجارات، فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير من عشيرته حتى صار فقيرهم كغنيّهم".(1)
د) - البيان والتّفسير:
(لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ، اِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ).
إنها افتتاحية بديعة لهذه السّورة التي خصّها الله للامتنان على قريش، إذ جاءت البداية بمجرور بلام التّعليل قبل ذكر المعلول، وهو الأمر التّكليفي في قوله: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ)، وذلك للتشويق والتّطلع إلى معرفة ذلك الأمر الإلهيّ لما له من الأهمية في حياة المعنيين الممتنّ عليهم، فالإلف والإيلاف جعل الإنسان يتعوّد على أمر ويلتزمه ويأنس به سواء كان الأمر خيرا أو شرّا. كما قال المتنبي:
(1) - المصدر نفسه: 30/ 556 - 558.