سُورة النّاس
الجزء ١ · صفحة ٢٧٦ومن خلال هذا البيان المركّز لحقيقة الدّين عند الله يتضّح أنه ليس شهادات تقال باللّسان، ولا هو مظاهر جوفاء لطقوس العبادات والشّعائر، وإنما هو ما وقر في القلب وصدّقه العمل.
ثم يذكر الله تعالى سلبيات أخرى تفرغ حقيقة الدّين من معناه الأصلي فيقول: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ، الذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ).
فرّع الله على ما سبق نقائص أخرى هي تكملة للأوصاف السّابقة على اعتبار أن السّورة كلها مكيّة أو مدنية، فيكون المراد بالمصلين وما وصفوا به هم عين المكذبين بالدّين، أما على اعتبار أن ما تقدم مكيّ، وما ذكر هنا مدني، يكون المراد بهم المنافقون الذين ظهروا في المدينة المنورة، ولعلّ اختيار القسم الظّاهر: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ)، عوضا عن الضّمير يرجّح القول الثّاني، والله أعلم.
(فَوَيْلٌ): دعاء بالهلاك والعذاب، وبما أن الويل لا يطال جميع المصلين فإن الصّفات التي جاءت صلة للموصول (الذِينَ هُمْ)، تخصّص صنفا منهم وهم:
أ) - (الذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ): وتعدية السّهو بـ"عن" لا بـ"في" فيه احتراز عن المؤمنين الأوفياء الذين يقيمون صلاتهم على أكمل وجه، وإن يأخذهم السّهو فيها -أحيانا- مما لا طاقة للإنسان أن يتلافاه، وقد قررت الأحكام الشّرعية جبر ذلك بسجود السّهو.
وأما المنافقون فهم الذين عن صلاتهم ساهون، وذلك كما قال ابن عباس: "هو المصلّي الذي إن صلّى لم يرج لها ثوابا، وإن تركها لم يخش عليها عقابا". وللسهو عن الصّلاة صور كثيرة، ومنها ما قاله رسول الله عندما سئل عن هذه الآية فقال: «هم الذين يؤخرون الصّلاة عن وقتها».(1)
(1) - رواه البيهقي في السنن الكبرى من حديث سعد، كتاب الصلاة، باب الترغيب في حفظ وقت الصلاة، رقم 3288.