سُورة النّاس
الجزء ١ · صفحة ٣٠٥قال الله تبارك وتعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ)، وفي سبب نزول السّورة يروي الإمام الترمذي وغيره عن أبيّ بن كعب: «أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أنسب لنا ربّك يا محمّد، فأنزل الله السّورة»(1)، فعلى هذه الرّواية هي مكيّة كما يدلّ على ذلك مضمونها، إذ أنها ركزت على الأساس الأوّل في العقيدة الإسلامية، أي وحدانية الله، ووردت في فضلها عدة روايات منها ما رواه البخاري وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟. فشق ذلك عليهم، وقالوا: أيّنا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: «الله الواحد الصمد ثلث القرآن».(2)
قلت: ليس في إضفاء هذا الفضل العظيم على هذه السّورة الصّغيرة من عجب ولا غرابة؛ لأن الأمر الرّبّاني للرسول بإعلان أحدية الخالق في انطلاقة دعوته، هو في حدّ ذاته إعلان لمواجهة ذلك الرّكام من الضّلالات والجهالات التي استحوذت على الجنس البشريّ، ولم تنج منه حتى الدّيانات السّماوية من يهودية ونصرانية والتي طال الأمد بأتباعها فبدّلوا وغيّروا وانحرفوا عن الأصول الوحدوية لتلك الدّيانات بله الدّيانات الوضعية التي هي من خيالات البشر وأهوائهم ما أنزل الله بها من سلطان.
فقد كفّر القرآن عقيدة التثليث لدى النّصارى بادعائهم التّركيب بالأقانيم الثلاثة: الأب والابن وروح القدس، للذات الإلهية، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، إذ قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنِ اِلَهٍ اِلآَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (المائدة:73).
(1) - رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب سورة الإخلاص، رقم 3364.
(2) - رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب فضل قل هو الله أحد، رقم 5015.