93
الجزء ٤ · صفحة ٧٤وأما تحقيق المسألة قتوبة القاتل للمؤمن عمدا تقبل ، نعم يكون قتله سببا للابعاد عن الكبائر ، ويتعسر توفيقه للتوبة النصوح ، وجملة ما روى فى نسخها أن ابن عباس ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت قالوا : هذه مدينة نسخت آية الفرقان مكية ، وأن أهل الكوفة اختلفوا ، فرحل سعيد بن المسيب الى ابن عباسن فأجابه بذلك ، وان ابن مسعود قال : لا تزداد الا شدة ، ولا يصح ذلك الا على ظن النسخ ، ولا على اجتهاده ، حمله على ذلك الزجر عن قتل المؤمن عمدا ، وهذا على بن أبى طالب يقول كما قال أصحابنا ان توبته مقبولة ، فروى أنه قال ابن عباس : من أين لك أن آية النساء أحكمت على ظاهرها ، أرى لم تقيد بعدم التوبة ، فما أجابه ابن رضى الله عنه الا بأن قال : ان الوعيد قد تكاثف ، يعنى جهنم ، والغضب واللعن والعذاب العظيم .
فأنت خبير أن هذا غير حجة ، وأن ابن عباس انما أراد الزجر كما يدل عليه ما روى ا ، ه قرأ عليه السائل : ﴿ وانى لغفار لم تاب وآمن وعمل صالحا ثم أهتدى ﴾ فقال له ابن عباس : وان له الهدى ، فتراه استبعد عنه الهدى ولم يقنطه ، بل أشار الى عسر هداه ، فلو اهتدى بالتوبة النصوح لقبل ، ثم قال : والذى نفس ابن عباس بيده ، لسمعت رسول الله A يقول : « ثكلت رجلا قتل مؤمنا متعدا أمه جاء يوم القيامة بيمينه ممسكا رأسه بيده الآخرى تشخب أوداجه دما يقول : رب سل هذا فى م قتلنى وايم الله لقد نزلت الآية هذه فى عهد نبيكم وما نسختها آية وما نزل بعدها برهان » يعنى أن وعيدها باق لم ينسخ ولم يعن أنه لا تقبل توبته ، ويدل على قبول توبته قوله تعالى : ﴿ أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وان الشرك أعظم الذنوب وهو مغفور بالتوبة ، فكيف لا تقبل توبة القاتل عمدا .
وقيل : ان هذه الآية منسوخة بآية الفرقان ، وفيه أن آية الفرقان نزلت قبلها ، ولعله نزلت آية الفرقان بعدها ، وباقى الفرقان بعدها ، وفيه أيضا أنه كيف ينسخ العام الخاص .
وقيل : هذه منسوخة بقوله تعالى : ﴿ أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ على أنها نزلت بعدها ، ولو تقدم موضعها من السورة ، وقيل : أية النساء فيمن قتل مؤمنا استحلالا ، وانما قال هذا من يزعم أن أصحاب الكبائر المصرين يجوز أن لا دخل النار ، فخرج الآية على المشرك باستحلال القتل ، وأما على طريق الحق فلا حاجة لذلك ، لأ ، المشرك تقبل توبته ، والفاسق تقبل توبته ، فلتقيد بعدم التوبة ، والقوم لما منعوا خلود الموحد فى النار ، حملوا الخلود على المكث الطويل ، وجعلوها فى الموحد ، أو حملوا الآية على القاتل استحلالا ، فأبقوا الخلود على معنى الدوام ، وجمهور الأمة يقولون بقبول توبته .