84
الجزء ٤ · صفحة ٥٣﴿ فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ : يجوز أن تكون الفاء عاطفة على ليقتل فى سبيل الله ، وأن تكون فى جواب شرط محذوف ، أى ان تركوك وثبطوا عنك فقاتل فى سبيل الله ولو وحدك ، فتنصر فان النصر بالله لا بالجنود .
﴿ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ ﴾ : حال من المستتر فى قاتل ، أو مستأنف ونفسك مفعول ثان ، والأول نائب الفاعل المستتر ، وقرأ عبد الله بن عمر بالياء للمفعول كذلك ، لكن بإسكان الفاء جزما بلا على أنها ناهيةن والمعنى لا نكلفك بالنون على طريقة العرب فى نهيهم أنفسهم .
وقرىء لا نكلف بالنون وكسر اللام ، وضم الفاء ، والجملة على القراءتين مستأنفة ، والمعنى على كل قراءة أنك يا محمد غير مكلف بفعل أحد ، بل بفعل نفسك ، والنصر تابعك ، فلا تهتم بقعودهم عن القتال .
وروى كما مر أن رسول الله A واعد أبا سفيان بعد أحد موسم بدر الصغرى من عام قابل ، أو فى ذى القعدة ، ولما بلغ الميعاد دعى الناس الى الخروجن فكره بعضهم ، فأنزل الله تعالى : ﴿ فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ الآية فحلف ليخرجن للقاء العدو ولو وحده ، ولأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتى ، فخرج وما خرج معه غلا سبعون راكبا ، والصحيح أنهم خرجوا معه وهم خمس عشرة ومائة فيهم عشرة أفراس ، حتى وصلوا موضع الميعاد ، ولم يلقوا أحدا ، وتسامعت العرب بمجيئه ، وباعوا واشتروا ، ورجعوا سالمين رابحين ، وعاب الله كل من تخلف ، ولزم كل أحد أن يرغب فى الجهاد ، ويستشعر أن يجاهد ولو وحده ، كما رغب أبو بكر رضى الله عنه وقت الردة حتى قال : لو خالفتنى يمينى فجاهدتها بشمالى .
وقد قيل : ان الخطاب فى اللفظ لرسول الله ، والمعنى أمته واحدا واحدا ، وكل أحد يكلف أن يجاهد بنفسه .
﴿ وَحَرِّضِ المُؤمِنِينَ ﴾ : حثهم على الجهاد بذكر الثواب والعقاب ، فعليك تحريضهم فقط دون القهر ودون التعنيف .
﴿ عَسَى اللهُ أَن يَكُفَّ بَأسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأسًا ﴾ : قال عكرمة وغيره : عسى من الله واجبة بفضله وعدد الجميل ، بمعنى أنها جزم ولا واجب على الله ، بل الوجوب فى حقه بمعنى أنه لا يصح أن يوصف بخلف الوعد أو الوعيد ، وقد وقع ما وعد الله به من كف بأس الذين كفروا ، وهم فى الآية مشركو قريش ، وبأسهم حربهم ، أو مطلق ضرهم ، ومنه حربهم ، وقد كف الله D أبا سفيان عن موعده ، فلم يأت بدرا الصغرى ، وبأس الله ضره من شاء من الكفار ، أو حربه بأن سمى ضره وعقابه باسم الحرب للمشاكلة ، أى والله أشد مجازاة لهم على حربهم حيث ما وقع ، وأنى وقع قبل وبعد ن وبأس الله عقابه فى الدنيا ، وعقابه فى الآخرة .
﴿ وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ : تعذيبا بأنواع العذاب وفى تذلك تهديد لمن تحلف خوفا من حرب الكفار ، ومع أن عذاب الواجب على من ترك المفروض أعظم من الحرب ، أو رغب فى الانضمام الى رسول الله A وأصحابه واتباعهم في الجهاد ، وعن الانضمام الى من يتخلف أو ينافق لقوله :