هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

135

الجزء ٤ · صفحة ١٤٤

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ ﴾ : ملازمين القيام بالعدل مجتهدين فيه .

﴿ شُهَدَآءَ للهِ ﴾ : لوجه الله وهو خبر ثان للكون ، أو حال من الضمير المستتر فى قوامين ، والمراد بالقسط العدل مطلقا ، فى تحمل الشهادة وفى أدائها ، وفى الحكم ، والأمر والنهى وغير ذلك ، أى قوموا قياما عظيما بالعدل حال كونكم مقيمين الشهادة لوجه الله ان شهدتم ، ويجوز أن يراد قوامين بالعدل فى أدائها ، قاصدين فى أدائها وجه الله .

﴿ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ﴾ : ولو شهدتم على أنفسكم ، أو ولو كانت الشهادة على أنفسكم ، بأن تقروا على أنفسكمن وتنصفوا على أنفسكم ، لأن حقيقة الشهادة بيان الحق بحسب طاقة الانسان على نفسه ، أو قريبة أو غيرهما كما قال : ﴿ ولو كان ذا قربى ﴾ ويجوز أن يراد بقوله : ﴿ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ﴾ ولو عليكم وعلى قرابتكم كذا ظهر لى ، والله أعلم ، والحمد لله ، ثم أنى رأيته نصا فى قوله :

﴿ أَوْ الوَالِدَيْنِ وَالأَقرَبِينَ ﴾ : فليس ذلك بجائز ، لأنه مذكور فى الآية بعد ، فلا يراد بأنفسكم الولدان والأقربون ، وعلى تتضمن الأضرار فى الجملة ، أى ولو أقررتم على أنفسكم أو الوالدين والأقربين بما يكون وبالا عليكم أو عليهم ، وثنى الوالد ولم يجمعه اعتبارا لأبوى كل واحد من المخاطبين ، أو أريد جنس الأبوين الصادق بالآباء والأمهات ، ويجوز أن يراد بقوله : ﴿ شُهَدَآءَ للهِ ﴾ شاهدين لله تبارك وتعالى بالوحدانية ، وعليه فقوله : ﴿ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الوَالِدَيْنِ وَالأَقرَبِينَ ﴾ متعلق بمعنى قوله : ﴿ قَوَّامِينَ ﴾ أى تقومون على أنفسكم وأجيز تعليقه بقوامين والمعنى الأول غير هذين مع تعليقه بشهداء ، أو بكانت ، أو شهدتم ، أو أقررتم أو نحو ذلك أولا .

وقيل : الخطاب فى الآية لقرابة طعمة بن أبيرق ، يقول لهم الله : لا تراعوا قرابة طعمة ، فشهدوا له بما ليس حقا بل أشهدوا بما هو الحق ولو مضرة عليه ، والأولى تعميم الخطاب ، أمرنا الله جل وعلا أن نشهد بالحق ، لا نركن الى غنى لغناه ، ولا نثقل عليه لغناه ، ولا نرحم فقيرا لفقره فنشهد له بما ليس له ، كما قال الله جل وعلا :

﴿ إِن يَكُنْ غَنِياً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا ﴾ : أى ان يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا أو كل واحد من المشهود عليه والمشهود له ، وقرأ ابن مسعود عبد الله : ان يكون غنى أو فقير على أن كان لها فاعل ، وليس لها خبر ، ولا قول فى القرآن كان ناقصة اذا كان لها خبر ، ولا أقول تامة اذا كان لها فاعل لا خبر تأدبا عن لفظ النقص ، ولو كان معناه عدم الدلالة على الحدث ، أو عدم المصدر ، أو كان معناه الاحتياج ، وذكر التمام فى بعض ألفاظ كان ملوح الى النقص فى غيرها ، ثم ان لغة الفصحاء افراد ما يعود الى المعطوف والمعطوف عليه بأو التى لأحد الشيئين لا بمعنى الواو نحو : زيد أو عمرو قائم ، ونحو : زيد أو عمر أو بكر قائم ، لأن المراد أحد هؤلاء ، وانما ثنى فى قوله : ﴿ فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا ﴾ لأن هذا من باب الاستخدام البديعى ، فان ضمير التثنية عائد الى جنس الغنى والفقر ، وجنس الغنى واحد ، وجنس الفقر آخر ، وذلك اثنان لا الى الغنى والفقير المفروض أن الشهادة لهما أو عليهما .

١٬٦٤٤ / ٧٬٦٨٠