هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

143

الجزء ٤ · صفحة ١٥٧

﴿ مًّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذّلِكَ ﴾ : اسم مفعول ذبذب ، وذبذب متعد ، يقال : ذبذبه أى صيره متحيرا مترددا ، فالله صيرهم بالخذلان أو الشيطان بالوسوسة أو الهوى متحيرين بين ذلك ، أى بين ما ذكر من الايمان والكفر ، وثلاثية ذب بمعنى طرد شدد للمبالغة ، فكان ذبب بتشديد الباء الأولى ، فكانت ثلاث باءات ، قلبت الثانية ذالا على خلاف بسطته فى شرح اللامية وغيره ، فى مثل وسوس ولملم ، فالمتحير المضطرب يصير كمن يلجأ الى هذا فيطرده ، والى ذلك فيطرده ، ولا يزال كذلك .

ومذبذب حال من واو يراءون أو منصوب على الذم أى أذم قوما مذبذبين ، أو ألعن قوما مذبذبين أو نحو ذلك ، أو حال من واو يذكرون على أنه معتبر قبل الا لا بعد الا لأن الا الواحدة لا تستثنى اسما واسمين بلا تبعية ، وان كان النصب على الذم فتنكيره للتحقير ، وقرأ ابن عباس بكسر الذال الثانية على حذف المفعولن أى مذبذبين قلوبهم أو دينهم أو رأيهم أو من ذبذب لا زاما بمعنى تحير واضطرب ، كصلصل بمعنى تصلصل وتناسبه أنه وجد فى مصحف ابن مسعود متذبذبين ، وقرأ أبو جعفر مدبدبين بدال مهملة ، أى أخذ بهم تارة فى دابة وتارة فى دابة أى طريقة .

﴿ لا إِلَى هَؤلآءِ ﴾ : المسلمين .

﴿ وَلا إِلَى هَؤلآءِ ﴾ : الكافرين ، لا الأولى نافية عاطفة على مذبذبين ، كقولك : ما جاء خالد لا حافيا ولا منتعلا ، والمعطوف محذوف لتعلق به الى أى منسوبين الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ، والواو عاطفة ولا بعدها مؤكدة للنفى ، وتنص على الكلية ، ودفع لك مثل قولك : ما قام زيد ولا عمر تنفى القيام عن هذا وعن ذلك ، ولو قلت : وعمرو لاحتمل ذلك ، واحتمل أن تريد لم يقم كل واحد ، بل قام أحدهما .

وان قلتك قد كان لهم انتساب الى المسلمين ، وكذا الى الكافرين ، قلت : المعنى لم ينتسبوا الى المسلمين بقلوبهم وألسنتهم وأعمالهم ، بل بألسنتهم وقلوبهم دون اعمالهم أو بألسنتهم وأعمالهم دون قلوبهم ، ولا الى الكافرين بذلك كله ، بل بقلوبهم وقصور أعمالهم ، لأن العبرة بأحوالهم بحضرة المؤمنين ، وأما اذا اعتبر حالهم بحضرة الكافرين فهم مع الكافرين بالقلب واللسان والعمل ، اذا خلوا بهم أن أسروا الشرك ، والا فبعملهم ، وينطقون أيضا معهم بكلمة الشهادة .

ويجوز أن يكون المعنى لم ينحازوا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ، وانما فسرت هؤلاء الأولى بالمسلمين ، لأنهم أفضل ، ويجوز العكس ، وقد فسره يبغورين وأبو عمار C بالمسلمين ، والثانية بالكفار كما فسرت ، وكذا القاضىن ويؤيده أن المؤمنين أقرب ذكرا ، قيل : ولفظ هؤلاء للقريب والمؤمنون أقرب اذ قال : ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ﴾ ﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ : أى الهدى هدى عصمة كقوله تعالى : ﴿ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ﴾ وعن ابن عمر ، عن البنى صلى الله عليه سلم : « مثل المنافق كمثل الشاة العابرة بين الغنمين تعبر الى هذه مرة والى هذه مرة » أى هذه الغنم أو الى هذه الى الغنم ، والعابرة المترددة ، كذلك المنافق متردد قوله ، يخالفه عمله أو قلبه مع المشركين وظاهره مع المؤمنين .

١٬٦٥٧ / ٧٬٦٨٠