142
الجزء ٤ · صفحة ١٥٦﴿ إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ : مجازيهم على خداعهم ، فسمى جزاء الخداع خداعا بتسميته للمسمى باسم سببه وملزومه ، وفيه المشكلة ، وتقدم تفسير الخداع فى البقرة ، والله لا يخادعه خادع ، فيقدر مضاف أى يخادعون أولياء الله ، أو حزب الله أو نحو ذلك ، أو رسول الله A ، وعن ابن عباس والحسن وابن جريج والسدى : خدع الله اياهم على الحقيقة بأن يعطيهم يوم القيامة نورا كنور المؤمنين ، فيطمئنون اليه ثم ينطفىء .
﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى ﴾ : غير ناشطين كمن أكره على الشىء ، لأنهم لا يرجون لها ثوابا لانكارهم البعث اذ أضمروا الشرك ، ولعدم رسوخ الايمان فيهم ان لم يضمروه ، وقرىء بفتح الكاف وهو لغة تميم وأسد .
﴿ يُرَآءُونَ النَّاسَ ﴾ : بصلاتهم ، يتناولون أن يرى الناس أو يطعلوا لهم عليها بفعلها قصدا لمدحهم ، ونفيا للتهمة .
وعن قتادة : والله لولا الناس ما صلى منافق ، ويراءون يفاعلون خارج عن معنى المفاعلة ، بل بمعنى التفعيل وهو لتفسيرهم الناس رائين ، ويدل لهذا قراءة ابن أبى اسحاق يراءون الناس بتشديد الهمزة ، وعدم ألف قبلها ، ويجوز أن يكون المفاعلة على بابهان فان المرائى يظهر للناس عمله ، ويظهرون له هم أيضا أنه حسن ، والجملة حال من واو ﴿ قَامُوا كُسَالَى ﴾ مستأنفة .
وقال أبو البقاء : بدل من قاموا كسالى ، ولعله بدل اشتمال ، لأن القيام كسالى يلابسه الرياء بلا جزئية وكلية ، وليس عينية ، وكيفة بدل الاشتمال هو مما اشتمل عليه المبدل منه اشتمال الظرف على المظروف ، بل ما بينه وبين المبدل منه ملابسه بغير الجزئية والكلية فلم يبطل كلام أبى البقاء .
﴿ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلا قَلِيلاً ﴾ : الا زمانا قليلا ، أو ذكرا قليلا ، لأنهم انما يذكرون الله اذا حضر الناس فى حين الذكر أو مكانه كوقت الصلاة فى المسجد ، وكوقت اعتيد لذكر الله أو اتفق فيه ذكر الله ، أو لأن ذكرهم باللسان فقط وهو قليل بالنسبة الى ذكر غيرهم بالقلب ، وقيل : الذكر الصلاة أى لا يصلون الا قليلان وقيل : الذكر فيها أى يقللون ذكر الله فى الصلاة ، لأنهم لا يقرءون فيها ولا يعظمون ، ولا يسبحون ولا يقرءون التحيات ، ولا يقولون ما يقول الراكع من التعظيم : بل يكبرون ويسلمون مع الناس بعد الامام فقط .
قال ابن العربى فى قوله تعالى : ﴿ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلا قَلِيلاً ﴾ روى الأئممة مالك وغيره عن أنس أن النبى A قال : « تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم حتى اذا اصفرت الشمس وكانت بين قرنى الشيطان قام ينقر أربعا لا يذكر الله فيها الا قليلا ما أقام فيه الا قليلا » وقد بين تعالى صلاة المؤمن بقوله : ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون ﴾ ومن خشع خضع واستم ، ولم ينقر صلاته ولم يستعجلن انتهى .
وعن ابن عباس : سماه الله قليلا ، لأنهم فعلوا لغير الله ، ولو كان له لكان كثيرا ولو قل ، وقيل : لأن الله لم يقبله ولو قبله لكان كثيرا ، ولا يجوز أن يراد بالقلة العدم ، لأنه يتكرر مع قوله : لا يذكرون ، فلا يبقى للاستثناء فائدة كأنه قيلك لايذكرون الله الا عدم ذكر كمن قال فى الاثبات : بعت هذه الشاة الا هذه ، مشيرا للأولى فى كون كل مستثنى من نفسه ، وأجازه فى الكشاف .