32
الجزء ٤ · صفحة ٢٨٩﴿ وَمَن أَحْيَاهَا ﴾ : أى أحيا النفس ، وهذا على طريق الاستخدام ، فان النفس التي يحيى غير التى قتلها ، ومعنى احياء النفس ابقاءها حية كالعفو عن القاتل لوجه الله ، وبالعفو فسر الحسن احياءها ، ومثل أن تدعوك نفسك الى قتلها فتتركه لوجه الله تعالى ، وكتنجيها ممن أراد قتلها ظلماً ، أومن حيوان يقتلها ، أو من حريق أو قدم أو غرق أو جوع أو عطش مهلك ومن غير ذلك من أسباب الهلاك ، كالاخبار بأن هذا الطعام أو الشراب مسموم ، وبارادة انسان قتله والاخبار يبرىء وهو لم يرها .
﴿ فَكَأنَّمَا أحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ : وذلك ترهيب عن القتل ظلماً ، وترغيب فى السعى فى بقاء الحياة ، قال ابن عباس ، وابن زيد : المعنى من قتل نفساً واحدة ، وانتهك حرمتها ، فهو مثل من قتل الناس جميعاً ، ومن ترك قتل نفس واحدة ، وصار حرمتها مخافة فهو كمن أحيا الناس جميعاً ، وفى رواية عنه : المعنى من قتل نبياً أو ام عدل ، كأنما قتل الناس جميعا ، ومن شد عضد نبى أو امام عدل ، فكأنما أحيا الناس جميعاً ، يريد من يكون قتله هلاكاً للدين ، كما قيل أفضل احياء النفس أن ينجها من كفرها وضلالها .
وكما قيل : من مات الدين على يده كقاتل الناس جميعاً ، ومن أحياه كمن أحيا الناس كلهم منم موت أشرف عليهم ، وكما قال A لعلى حين بعثه فى جيش : « اعلم يا على أنه ان يسلم بك رجل خير من الدنيا وما فيها » وعن مجاهد : المعنى أنه من قتل نفساً واحدة مؤمنة عمداً استوجب جهنم والخلود وغضب الله ، ولعنه واعداد العذاب العظيم ، ومن قتل الناس كلهم لا يزيد على ذلك شيئا من سلم من قتل احدة ، فقد سلم منهم جميعاً . ومثله عن الحسن : ميا ابن آدم أرأيت لو قتلت الناس جميعاً اتطمع أن يكون لك عمل يوازى ذلك فيغفر لك به ، فكذا لو قتلت واحداً .
وقيل : المعنى لو قتل الناس جميعا لقتل ، ولم يزد على من قتل نفساً واحدة شىء ، ومن تسبب فى حياتها فله من الثواب مالو نجاهم كلهم من الموت ، وقيل : المعنى من استحل قتل نفس بغير حق كمن استحق قتل الناس كلهم ، ومن ترمك قتلها تورعاً فكأنما تورع عن قتلهم كلهم ، والتحقيق ما فسرت الآية به أولا .
﴿ وَلَقَد جَآءَتهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ﴾ : أى جاءت بنى اسرائيل رسلنا بالدلائل الظاهرة الدالة على صدق الرسل .
﴿ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنهُم بَعدَ ذّلِكَ ﴾ : المذكور عن ارسال الرسل بالبينات ، والتشديد عليهم فى أمر القتل .
﴿ فِىلأَرضِ لَمُسرِفُونَ ﴾ : بالقتل وغيره من الفواحش ، والاسراف التباعد عن حد الاعتدال فهم لا يبالون بالاسراف فى المعاصى فى كل عصر ، وقيل : المراد بالاسراف الاشراك ، وبعد متعلق بمسرفون بعده ، وكذا فى الأرض فهو من تقديم معمول الخبر على لام التأكيد المتصلة به ، وهو فى المعنى أقرب من أن يجعل بعد متعلقاً بمحذوف نعت لكثير أو حال من الضمير المستتر فى منهم ، فان منهم متعلق بمحذوف نعت لكثير ، وفى الأرض متعلق بمحذوف نعت آخر أو حال من المستتر فى بعد أو متعلق بما تعلق به بعد .