هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

30

الجزء ٤ · صفحة ٢٨٤

﴿ فَطَوَّعَت لَهُ نَفسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾ : أى وسعت له نفسه قتل أخيه ، من طاع له المرتع أى استع ، فعدى فى الآية بالتشديد ياقل : طالوا له أى انقادوا له ، وطوعهم لله له .

لوحت الآية أن قتل النفس عمداً بغير حق أمر قبيح صعب عقلا وشرعا ، ولا سيما أن يكون المقتول أخاً للقاتل ، ولكن نفس قابيل زينت له ذلك الأمر القبيح ، وقرا الحسن : فطاوعت على أنه من بابت المفاعلة بمعنى التفعيل ، بأ ، عداه بألف أو على تشبيه حاله بمن يدعو نفسه الى شىء فتأبى ، ثم غلبها فانقادت له فى قتل أخيه ، فنصب فى هذا الوجه الأخير فقط على نزع الخافض ، أو تضمين معنى أعطته قتل ولام له لمعنى وسعت له ، أو انقادت له فى قتله أو زيدت تقوية أى أطاعته فى قتل أو أعطته قتل .

﴿ فَقَتَلَهُ ﴾ : قال ابن عباس : قتله فى جبل ثور ، قال بعضهم : عند عقبة حراء ، وقال جعفر الصادق : فى البصرة فى موضع الجامع الأعظم ، قال السدى : لما قصد قابيل قتل هابيل راغ هابيل فى رءوس الجبال ، ثم أتاه يوماً من الأيام وهو نائم فرفع صخرة ، فشدج بها رأسه فمات .

وقال ابن جريج : لم يدر كيف يقتله ، فتمثل له ابليس وأخذ طائراً فوضع رأسه على حجر ، ثم شدجه بحجر آخر وهو يقظان صابر مستسلم ، وعمر هابيل رضى الله عنه عشرون سنة .

﴿ فَأصْبَحَ مِنَ الخَاسِرِينَ ﴾ : ديناً ودنيا ، أما ديناً فلأن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ، وأما دنيا فلأنه أسود وجهه وصار مطروداً مبعداً عن أبيه وأمه بغيضاً لهما ، ويلعن الى يوم القيامة ، وصار بلا أخ ، ولما رجع آدم من مكة قال لقابيل : أين هابيل؟ فقال : ما كنت عليه وكيلا ، فقال : بل قتلته ولذك اسود جسدك .

وروى أنه لما قتله لم يدر ما يفعل به ، فجعله فى جراب وذلك أنه كان أول ميت من بنى آدم فيما قال بعض ، فقيل : حمله على ظهره وهو فى جراب أربعين يوماً مخافة أن تأكله السباع ، لأنها قصدته اذ تركه فى الأرض ، وبعد حمله عكفت عليه الطير ترقب أن يرميه فتأكله ، وقيل حمله سنة وينسب هذا لابن عباس ، وقيل : أكثر من سنة وأروح وأنتن ، فبعث الله غرابين فاقتتلا ، فقتل أحدهما الآخر ، وقابيل لعنه الله ينظر ، فحفر له بمنقاره ورجليه حفرة ، ثم ألقاه فيها وواراه بالتراب ففعل قابيل بهابيل ذلك كما قال الله جل وعلا :

١٬٧٨٤ / ٧٬٦٨٠