24
الجزء ٤ · صفحة ٢٧٠﴿ قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبدَاً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ : خاطبهم الرجلان ، وأجابوا موسى مبالغة فى ابطال كلامهما ، والتهاون به ، ومسارعة الى قطع الدخول البتة ، ولأن كلامهما مما أراد موسى عليه السلام وارتضاه ، فهو كلامه وقد مر أنهما لما قالا ما يليق بذلك أرادوا رجعهما ، ولما قالوا ذلك وهموا بالانصراف الى مصر خر موسى وهارون قدامهم ساجدين لله تعالى ، خائفين من الله ، طالبين للطفه وخلعة نبياً يبين الله أنيجعل لهما ، ولمن معهما مخرجا وغناء عن هؤلاء ، والله أعلم .
قيل : وخرق يوشع وكالب ثيابهما ، ولعل ذلك جائز فى شريعتهما على غير سخط قضاء الله ، وقولهم : اذهب أنت وربك فقاتلا شرك بالله تعالى ، اذ وصفوه بالانتقال وبالحلول والتركيب والحدوث ونحو ذلك من النقائص اللازم ذلك كله على وصفه بالانتقال ، وكذا وصفوه تعالى بالقتال الذى هو حركة وسكون ، وتحول وعلاج ، وذلك كله شرك كما عبدوا العمل ، وقالوا : اجعل لنا الهاً ، وطلبوا رؤية الله جهرة ، فهم مجسمة ، وأشركوا بذلك ، لأنه لفظ شرك ، ولو أرادوا بذلك مجرد مخالفة ما أمروا به لا حقيقة الانتقال والقتال لكانوا مشركين باللفظ ، منافقين بالمعنى ، واذا استحضرت شركهم بعبادة العجل ، وقولهم : اجعل لنا الهاً مع مصاحبتهم نبى الله ورؤيتهم المعجزات لم يكن لك أن تستبعد اشراكهم فى الآية .
ولو قيل : ببعده ويضعف أن يقال مرادهم ، وربك معين لك أو يعينك ، لأن فيه تقدير لا يخرج اليه كون الكلام لمتورعن أى لا تقوى ولا روع لهم ، ولأن فقاتلا ينافى هذا التقدير منافاة ظاهرة تحتاج الى تكلف دعوى قاتل يا موسى بسلاحك ، وربك باعانته اذ هذا جمع بين الحقيقة والمجاز ، أو دعوى عموم المجاز .
والحاصل أن الله D قد وصفهم بقوله : ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ وقيل أرادوا بقولهم وربك أخاه هارون ، وكان أكبر من موسى ، كما يعظم الأكبر باسم التعظيم كالأب والسيد ، أو بمعنى وصاحبك وهو هارون عليه السلام ، وذلك ضعيف ، ودام فى تأويل مصدر بدل من أبدا بدل البعض ، فان دوام الجبارين فيها بعض الأبد ، أو بدل مطابق على تقدير استشعار دوامهم فيها أبد الدنيا ، وأبد حياة بنى اسرائيل القائلين ومن يخلفهم ، ولما قالوا ما قالوان قالوا يا موسى : أتصدق اثنين يوشع وكالب وتكذب عشرة النقباء ، وأيس من خيرهم قال ما حكى الله D عنهم بقوله :