32
الجزء ٤ · صفحة ٢٨٨﴿ مِنْ أَجلِ ذَلِكَ ﴾ : الذى فعل قابيل من قتل أخيه ، فقال نافع : يتعلق بأصبح أو بالاستغراب الذى فى قوله : ﴿ من النادمين ﴾ أى أصبح ثابتاً من النادمين من أجل قتله أخاه ، فالوقف على لفظ ذلك ، وقيل : ان الوقف على النادمين ، وان من أجل ذلك يتعلق بكتبنا بعده ، وعليه الجمهور ، ومن للابتداء أى حصل له الندم من أجل ذلك أى تحصلت الكتابة من جنايته تلك ، أو هى للسببية على الوجهين .
وان قلت : كيف يكون فعل قابيل سبباً للكتابة على بنى اسرائيل لما ذكر ، أو متبدأ له؟
قلت : لما فيه من المفاسد ، ومحو جميع الفضائل ، أى لعظم تلك المفاسد ، ومحو الفضائل ، أو من ذلك المبتدأ فشددنا على بنى اسرائيل بأن قاتل من غيرهم غير قابيل فقاتل نفس لا كقاتل الناس جميعاً ، وخص بنى اسرائيل بهذا التشديد لمبالغتهم فى القتل ، فكانوا يقتلون الأنبياء ويستحلونه ، كما قتلوا يحيى وزكريا وغيرهما ، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس ، وهموا بقتل عيسى وباشروا ونجاه الله .
وقيل : الناس كنبى اسرائيل فى ذلك ، ولكن خصوا بالذكر لمبالغتهم فى القتل وشدة قوستهم ، وامتناعهم عن الطاعة ، ويتبين ذلك بتقدير مضاف أى ، من أجل مفاسد ذلك القتل ، أو يشار بذلك للمفاسد المعلومة من الكلام وأجل بفتح الهمزة واسكان الجيم مصدر أجل شرا ، أى كسبه وجناه ، وهو هنا كذلك ، أى لكسب ذلك ، أى لكسب قابيل ذلك ، أو من كسب ذلك أعنى المبدأ فليس أجل تعليلا ، وانما التعليل بمن أو بغيره من حروف التعليل اذا دخل على أجل ، اذ لو كان أجل تعليلا لم يدخل عليه حرف التعليل فى قولهم مثلا : لأجل كذا ، الا أنهم توسعوا فى أجل فاستعملوه فى كل كسب ، سواء الخير أم الشر ، وفى غير الكسب فيقال : من أجل ذلك أو لأجل ذلك بمعنى من شأن ذلك ، ومن استعماله على أصله قوله :
وأهل خباء صالح ذات بينهم … قد احتربوا فى عاجل أنا آجله
أى في شر عاجل أنا كاسبة ، ويقال أيضا : فعلته من جراك ، أى من أن جررته ، وهو فعلى من الجر أى من كسبك ، من جرواك أى من كسبك ، وهو من جرا يجرو كدعا يدعوا بمعنى كسبن وكلاهما بمعنى من أجلك ، وقرأ أبو جعفر من أجل ذلك بكسر الهمزة وهو لغة ، وقد ينقله للنون .
﴿ كَتَبْنَا ﴾ : أى فرضنا .
﴿ عَلَى بَنِى إِسرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيرِ نَفسٍ ﴾ : توجب القصاص .
﴿ أَوْ فَسَادٍ فِى الأَرضِ ﴾ : العطف على نفس ، أى أو بغير فساد ، وأو بمعنى الواو ، أو لتنويع النفس المحللة للقتل الى نفس موجبة للقصاص ، والى نفس ذات موجب للقتل كالشرك وزنى المحصن واللواط مطلقاً ، وقطع الطريق والطعن فى الدين .
﴿ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ : لأنه هتك حرمة الدماء ، وحدد سنة القتل ، وجرى الناس عليه ، فكم هائب لقتل غيره ، فاذا رأى أحداً قتل أحداً وسمع به زالت هيبة القتل من نفسه ، فكان يقتل غيره ، ولأن قتل الواحد وقتل الجميع سوةاء فى استجلاب غضب الله والعذاب العظيم والتحريم .