هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

42

الجزء ٤ · صفحة ٣١٠

﴿ سَمَاعُونَ لِلكَذِبِ ﴾ : كرر للتأكيد أن جعلناه فى حق المناقين واليهود ومنافقى اليهود ، ولك أن تجعله مستأنفاً فى وصف اليهود ، فلا تكرير ويدل قوله :

﴿ أَكَالُونَ لِلسُّحتِ ﴾ : لأن المتبادر فى ذلك الزمان أن أكل السحت فعل اليهود ، يأكلون المال على الرشوة والكتمان والتحريف ، والسحت المال الحرام ، سمى لأنه مسحوت البركة ، ولأنه سحت الدين والمروءة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى ويعقوب ، بضم الحاء والسين وهو لغة ، قرىء بفتح السين والحاء وبفتحها مع اسكان الحاء والمعنى واحد ، وقرىء بفتح السين واسكان الحاء على المصدرية ، أى المال السحت ، أو سمى المال الحرام باسم القطع وهو السحت بالفتح والاسكان مبالغة ، كأنه نفس القطع .

فالسحت بالضم المال الآتى بطريق الرشوة فى الحكم ، وكتم الحق ، والتحريف والشفاعة فى حدود الله وبالربا ، وبوجه من وجوه الحرام كله كالزناء والكهانة والدلالة على نفس أو مال ، وتحليل الحلال ، وتحريم الحرام ، وهما من التحريف .

قال الحسن : كان الحاكم فى بنى اسرائيل اذا أتاه أحد برشوة جعلها فى كمه فأراها اياه ، وتكلم بحاجتهن فيسمع منه ولا ينظر الى خصمه ، فهو يسمع الكذب ، ويأكل الرشوة يفسر بذلك سماعون للكذب ، أكالون للسحت ، ويلتحق بهؤلاء اليهود الفساق الفاعلون لذلك .

كما روى أن عاملا قدم من علمه فجاءه قومه ، فقدم اليه العراضة وجعل يحدثهم بما جرى له فى علمه ، فقال أعرابى من قومه : نحن كما قال تعالى : ﴿ سَمَاعُونَ لِلكَذِبِ أَكَالُونَ لِلسُّحتِ ﴾ وقال A : « كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به » وفى الحديث : « لعن الله الراشى والمرتشى » قال الحسن انما ذلك فى الحاكم اذا رشوته ليحق لك باطلا ، أو يبطل حقاً ، وقال ابن مسعود : الرشوة فى كل شىء ممن شفع شفاعة ليرد بها حقان أو يدفع بها ظلماً ، فأهدى اليه لذلك فقبل ، فقيل يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك الا الأخذ على الحكم .

﴿ فَإِن جَآءُوكَ ﴾ : أى اليهود .

﴿ فَأحكُم بَيْنَهُم ﴾ : بالقرآن .

﴿ أَوْ أَعرِض عَنْهُم وَإِن تُعرِضْ عَنهُم فَلَن يَضُرُوكَ شَيئَا ﴾ : أى لن يضروك ضراً بقتال ولا ضرب ، أو لن يضروك فى دينك ضراً أى ليس عليك فى الاعراض عنه بشىء من الاثم ، وغير اليهود من المشركين مثلهم ، فان جاء مؤمن ومشرك وجب الحكم كما ذا جاء مؤمنان ، وقيل ذلك فى غير أهل الذمة ، وأما الذين كانوا فى الذمة يجب الحكم بينهم ، أو وجب الذب عنهم ، فذب بعضهم عن بعض ، وذب عنهم غيرهم .

وليست الآية فى أهل الذمة ، والآية محكمة باقية الحكم لخبر : اذا جاءنا يهوديان حكمنا بينهما أو أعرضنا عنهما ، ومثلهما نصراينان وغيرهم من المشركين سواء من كان فى الذمة ومن لم يكن ، ومثل هذا عن أحمد والنخعى والشعبى والحسن والزهرى ، وذلك لأنهم ليسوا على دين الله ، ولا حق لهم فى أمر الدين ، ولو كانوا ذمة ، وانما علنيا رد الظلم عنهم اذا عاينا الظلم ، وأقامت به النبينة لا نصب الحكم بينهم ، ليذكر كل منهم حجته .

١٬٨١٠ / ٧٬٦٨٠