هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

13

الجزء ٤ · صفحة ٢٥٣

﴿ فَبِمَا نَقضِهم مِثَاقَهُم لَعَنَاهُم ﴾ : عطف لعناهم على أخذ الله بالفاء والباء متعلق بلعناهم ، ويقدر مثله لجعلنا ، وما مؤكدة مخفمة بين الجار والمجرور ، وميثاق مفعول لنقض ، وقدم بما نقضهم للحصر ولطريق العرب فى الاهتمام ، ولم أقل بتنازع جعلنا ولعنا فى بما نقضهم ، لأن الصحيح أنه لا تنازع فى مقدم ، ولا سيما أن معمول المعطوف لا يتقدم على العاطف ، واللعن الطرد عن الرحمة ، أى بعدناهم عن جنتنا ورضانا .

وقيل : مسخناهم فان المسخ طرد عن رحمة الدنيا والآخرة ، وقيل : ضربنا عليهم الجزية بذلك ، وذلك كله نقضهم الميثاق اذ عصو موسى وكذبوا الرسل بعد موسى ، وقتلوهم ونبذوا كتاب الله ، وضيعوا الفرائض ، فالطرد عن رحمة الله ورضاه مطلق ، والمسخ فى زمان داود بالاعتداء فى السبت ، فمسخوا قردة ، وفى زمان عيسى مسخوا خنازير لشأن المائدة ، والجزية فى زمان سيدنا رسول الله A ، وكل رضى بما فعل من قبله ، وذلك قول قتادة بسطته ، وقيل : كتموا صفة رسول الله A فذلك نقضهم أو مجموع ذلك .

﴿ وَجَعَلنَا قُلُوبَهُم قَاسِيَةً ﴾ : صلبة غليظة لا تلين بالوعظ ، وليس ذلك جبراً والا لم يذمهم ، بل ترك توفيقهم باختيارهم ، فقست فذلك جعله قلوبهم قاسيةن ويجوز أن يكون معنى ذلك الجعل امهالهم عن العقاب فقسوا ، وقرأ عبد الله بن مسعود وحمزة والكسائى : قسية بتشديد الياء واسقاط الألف قيل السين بوزن فعيل للمبالغة ، كقادر وقدير أو وصف بمعنى ردية من قولهم درهم قسى أى فيه صلابة النحاس اذا كان مغشوشا ، لأن فى الذهب والفضة الخالصين ليناً .

وقرىء قسية بكسر القاف اتباعاً لكسر السين بعدها ، والثلاثة من معنى الصلابة ، ومثلها قسح يقسح فهو قاسح بالحاء ، وذلك أولى مما ذكر الأصمعى والفارسى ، أن قسية باسقاط الألف فارسى معرب بمعنى الدرهم الردىء وأفرد قاسية لأن القلوب جملة .

﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ : ليس هذا معنى نفس القسوة ، لكنه ثمرة القسوة ، كأنه لما قست قلوبهم تولد من قسوتها تحريف كلام الله ، فالجملة مستأنفة أو حال من هاء لعنهم ، لبيان ما أدت اليه قسوة قلوبهم ، وأنه لا أقبح من قسوة أدت الى تحريف كلام الله والكذب عليه ، وذلك أنهم حرفوا نعت محمد رسول الله A وغيره مما أرادوا تغييره من التوراة كآية الرجم ، وذلك أنهم بدلوا اللفظ بلفظ آخر يخالف معناه فى بعض ، وحرفوه التفسير فى بعض ، وخطوا بالقلم فى بعض .

﴿ وَنَسُوا حَظًّا ﴾ نصيباً عظيماً ، فالتنكير للتعظيم .

﴿ مِّمَّا ذُكِرُوا بِهِ ﴾ : من التوراة وهو ما تركوا العمل به من التوراة ولم يحرفوه ، وما تركوا العمل به وحرفوه أيضاً ، وذلك أنه لو عملوا به لكان لهم حظ عظيم من الثواب ، ومن ذلك تركهم الايمان برسول الله A والقرآن .

١٬٧٥٣ / ٧٬٦٨٠