26
الجزء ٤ · صفحة ٢٧٢﴿ قَالَ فَإِنهَا ﴾ : أى الأرض المقدسة .
﴿ مُحَرَّمَةٌ عَليْهِم ﴾ : ممنوعة عنهمن لا يدخلونها ولا يسكنونها غير عبدى يوشع وعبدى كالب .
﴿ أَربَعِينَ سَنَة ﴾ : أربعين ظرف زمان متعلق بمحرمة ، وبعد الأربعين يدخلها من حيى منهم ممن ولدوا فى أرض التيه ، وممن دخل التيه دون عشرين سنة منه عرمه ، وباقيهم أميتهم فى التيه ، وقيل : حيى بعض الباقى فدخلوها وهو الظاهر المتبادر أنها لهم بعد الأربعين ، وقيل : لم يدخلها أحد ممن قال : انا لن ندخلها ، بل ما توفى التيه بعد قتل الجبارين أولادهم ، فقيل : هم أربعين سنة يرحلون عند الصبح الى مصر ، فيمسوا فى موضع رحلوا منه ، وقيل : لما أيسو تركوا الرحيل ، وذلك نقمة عليهم ، ونعمة وراحة على موسى وهارون ويوشع وكالب .
وقيل : ان الله حرمها عليهم تعبداً لا منعاً ، وهذا بعيد لأنه لو كان ذلك لعصوا وخرجوا ، وأيضاً لفظ يتيهون يضعف هذا ، وقيل : أربعين متعلق بيتيهون بعده ، فيكون التحريم مطلقاً غير مقيد بمدة على هذا ، فهى محرمة أبداً عليهم فى هذا القول الى الموت ، فماتوا كلهم فى التيه ، فلم يدخلها الا من ولد فى التيه أو دخل التيه غير بالغ الحلم ، والأصل تعلق أربعين بمحرمة ، لأن فيه عدم التقديم ، واذا علق بمحرمة كان التيه مطلقاً فيصدق بأنهم تاهوا حتى أيسوا من اهتداء الطريق الى مصر فتركوا الرحيل ، والأظهر أن يعلق بأحدهما فبقدر مثله للآخر .
روى أنهم دخلوها بعد الأربعين ، وهو يقوى تعليقه بمحرمة ، ومن بقى منهم فتحوها مع موسى فتح أريحا ، وأقام فيها ثم مات ، وقيل : قبض فى التيه وأوصى يوشع بقتال الجبارين ، وصحح الأول لاشتهار أن موسى قتل عوجاً ، فهو الذى قاتل الجبارين ، وجعل يوشع على مقدمته ، واختلفوا : هل كان موسى يخرج من التيه وهارون حيث شاءا؟
أول أما أن يقال لم يدخلاه لقوله : ﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ فلا يصح لأنه بلا شك يضرب لهم الحجر للماء .
﴿ يَتِيهُونَ فِى الأَرضِ ﴾ : يمشرون فيها على طريق متحيرين لا يدرون الطريق ، قيل : أربعين سنة فى ستة فراسخ ، يسيرون من الصباح الى المساء ، فاذا هم فى موضع الرحلة ، وهم ستمائة ألف فارس ، ولكل مائة ألف فرسخ مسيرة نصف يوم ، وقيل : ستة فراسخ عرضاً ، واثنا عشر طولا ، وقيل : تسعة عرضاً وثلاثون طولا ، ولم يصب من ذلك تعب ولا مشقة موسى وهارون ويوشع وكالب ، بل راحة ولهم زيادة درجات كما أعان ابراهيم على النار ، وجعلها برداً وسلامً ، وزاد له درجات .
وفى بعض القول : مات فيه هارون ، ثم بعده موسى بسنة ، وقيل : ماتا خارجاً ، وقيل : مات موسى ودخل يوشع بعده أريحا بثلاثة أشهر ، أما اذا قيل : ان التحريم تعبد ، وأنهم يعرفون الطريق فلا اشكال فى حصر المفازة لهم وهو ضعيف كما مر ، الا أن يقال : انهم بعدما يعصون ويعاندون ينقادون ، وأما اذا قلنا انهم لا يجدون الطريق فذلك خرق عادة من الله ، ولولا ذلك لاتبعوا كوكباً أو الشمس والقمر ، فيتصلون بالطريق أو بقرية ، ويخرجون ، ويمكن أن الله D ستر عنهم الشمس والقمر والنجوم كما قال الله تعالى :