41
الجزء ٤ · صفحة ٣٠٥﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ﴾ : مثل قوله تعالى : ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل أليك من ربك ﴾ وهما موضعان فى القرآن خاطب الله جل وعلا رسوله A فيهما بالرسالة تشريفاً له ، واثباتا لما أنكره أعداؤه ، وخاطبه بيا أيها النبى فى مواضع كثيرة تشريفاً واثباتا ، كذلك شهد له بالنبوة والرسالة كما شهد لنفسه بالوحدانية .
﴿ لا يَحزْنُكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الكُفرِ ﴾ : أى لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر ، بمسارعتهم فى الكفر ، علم الله جلا وعلا ، أنهم يحزنونه بمسارعتهم فيه ، فنهاه عن أن يبقى على الحزن ، وأوجب عليهأن لا يحزن ، ويجوز أن يقدر لا يحزنك مسارعة الذين يسارعون فى الكفر ، أو لا يحزنك صنيع الذين يسارعون .
ومعنى المسارعة فى الكفر : وقوعهم سريعاً فى اظهاره وأعلاه اذا وجدوا سبيلا الى ذلك ، كما اذا خلا بعضهم الى بعض ، كما اذا سمعوا بهزيمة عن أصحاب رسول الله A ، ويأبى الله الا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ، ولو كره المشركون ، والمراد فى الآية المنافقون لقوله تعالى :
﴿ مِنَ الَّذِينَ ﴾ : حال من الذين أو من واو يسارعون .
﴿ قَالُوا آمَنَّا بِأَفوَاهِهِم وَلَمْ تُؤمِن قُلُوبُهُم ﴾ : فنفاقهم أسرار الشرك ، فالنفاق تارة اضمار الشرك ، وتارة مخالفة العمل للقول مع ثبوت أصل الايمان فى القلب ، الباء متعلق بقالوا والواو فى قوله تعالى : ﴿ وَلَمْ تُؤمِن قُلُوبُهُم ﴾ حالية ، وصاحب الحال واو قالوا ، أو عاطفة على قالوان وقال بأفواهمم مع أن القول الحقيقى لا يكون لا باللسان للاشارة الى أن قولهم لا يجاوز أفواههم الى قلوبهم .
﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَاعُونَ لِلكَذِبِ ﴾ : من الذين خبر مقدمن وسماعون متبدأ فالوقف على قلوبهمن ويجوز أن يكون من الذين هادوا معطوفاً على من ﴿ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ ﴾ فالوقف على هادوا ، فعلى هذا الوجه يكون المراد بالذين يسارعون فى لكفر المنافقين واليهود ، فيكون سماعون خبراً لضمير المنافقين واليهود محذوفاً ، أى هم سماعون أى المنافقون واليهود ، سماعون للكذب ، وهذا لا يصح الا على جعل يحرفون حالا لقوم ، أو نعت له ، ومن للبيان فى الوجه الثانى مثل الأولى ، وأما على الوجه الأول فللتبعيض .
ويجوز أن تكون من الأولى للتبعيض ، على أن من المنافقين من لا يسارع فى الكفرن وكذا يجوز فى الثانية ، ومعنى ﴿ هَادُوا ﴾ انتسبوا لليهودية ، وليسوا على حقيقة اليهود الذين اتبعوا موسى ، معنى ﴿ سَمَاعُونَ لِلكَذِبِ ﴾ يسمعون الكذب سماعاً عظيماً أو كثيراً ، سماع قبول ، وذلك أنهم يسمعونه من رؤسائهم أو علمائهم فى صفة رسول الله A ، يحرفونها وفى أحكام التوراة ، وكذلك يسمع منهم المنافقون ويسمعون أخباراً يرجف بها المرجفون ، كذا ظهر لى ثم رأيت بعضه لغيرى والحمد لله .
واللام للتقوية وقيل المعنى : سماعون من رسول الله A يكثرون سماع ما يقول لأجل أن يكذبوا عليه ، يقولوا قال كذا وكذا وهو لم يقل ، فاللام للتعليل ، وهذا ضعيف لأنه لم يكثر حضور اليهود سماع رسول الله A .