49
الجزء ٤ · صفحة ٣٢٤﴿ وَأَنِ أحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ ﴾ : بين اليهود والنصارى ، والواقعة فى اليهود ، ويجوز عود الضمير اليهم ، روى أن أحبار اليهود : كعب ابن أسيد ، وعبد الله بن صوريا ، وشاس بن قيس ، قال بعض لبعض : اذهبوا بنا الى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه فقالوا : يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وساداتهم ، وأنا ان اتبعناك اتبعك اليهود ولم يخالفونا ، وان بيننا وبين قومنا خصومة ، وذلك فى أمر القتل فنتحاكم اليك ، فاقض لنا عليهم نؤمن لك ونصدقك ، فأبى رسول الله A : ﴿ وَأَنِ أحْكُم بَيْنَهُم ﴾ الآية ، وليست هذه الآية ناسخة للتخيير فى الحكم بينهم ، والاعراض عنهم ، كما قال بعض : بل هى دعاء الى أين يكون حكمه واقعاً بما أنزل الله اذا اختار الحكم .
﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُم ﴾ : فيما طلبوا منك من الحكم بما أحبوا ، وخالف الحق ، وليس هذا تكريراً وتوكيداً محضاً مع ما مضى ، لأن ما مضى نهى عن تبع أهواءهم فى أمر الرجم ، وهذا نهى عن أن يتبع أهواءهم فى أمر الخصومة فى شأن القتل ، وشأن القصاص والدماء ، وجملة لا تتبع معطوفة على جملة أحكم ، أو على ما عطف عليه ، وأن احكم هو أولى ، وذلك أن ان مصدرية دخلت على الأمر فى قول من يقول بجواز دخولها على الأمر والنهى ، وأن احكم معطوف على الكتاب ، أى أنزلنا اليكم الكتاب والحكم بما أنزل الله ، أو على الحق أى أنزلناه بالحق ، وبأن احكم ، ويجوز أن يقدر وأمرنا أن احكم بفتح الميم واسكان الراء فى أمرنا ، فيكون أن احكم تفسيراً أو على المصدرية أى بأن احكم .
﴿ وَأحذَرْهُم أَن يَفْتِنُوكَ ﴾ : يصرفونك .
﴿ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ ﴾ : وأن يفتنوك بدل اشتمالن واشتمال من الهاء أى احذر فتنتهم اياك أو يقدر مضاف فيكون أن يفتنوك مفعولا من أجله ، أو على تقدير لام التعليل ولا النافية ، وهذا مرجوح ، أى احذر مكرهم مخالفة أن يفتنوك ، أو لئلا يفتنوكن والمراد بالفتن تأثيره فيه ، لأنهم قد حاولوا أن يصرفوه عن الحق فنهاه الله أن نصرف .
﴿ فَإِن تَوَلَّوْا ﴾ : أعرضوا عن الحكم بالحق ، وأرادوا أن تحكم لهم بغيره .
﴿ فَاعْلَم أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِم ﴾ : مقتضى الظاهر أن يصيبهم بتوليهم ، والمعنى بجزاء توليهم ، لكن استعمل مكان لفظ توليهم بلفظ بعض ذنوبهم ، ليشعر أن لهم ذنوباً كثيرة ، وأن منها هذا الذنب ، وليعظم هذا الذنب بابهامه اذ قال : ﴿ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِم ﴾ كقول لبيد :
لو لم تكن تدرى نوار بأننى … وصال عقد حبائل جدامها
تراك أمكنة اذ لم أرضا … أو يرتبط بعض النفوس حامها
أراد أو يرتبط نفسى حمامها فعظم نفسه بابهامها بقوله : بعض النفوس ، ولذلك جاء التنكير للتعظيم كما هو مشهور ، اذ دل على التبعيض ، ونوراً فاعل تدرى أو اسم تكن على التنازع ، والتاء فى تكن وتدرى للغيبة والتأنيث لا الخطاب ، والا قال : تكونى تدرين ، والمراد أن بعض ذنوبهم كاف فى التعذيب الدنيوى والأخروى معاً يقتلون به ويسبون ويجلون ويدخلون النار ، وباقى الذنوب لا يطع عنهم .
﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴾ : خارجون عن الحق فعلا وتركاً واعتقاداً ، كاليهود اذ ردوا حكم الله وتركوا العمل بهن وعملوا بالباطل .