82
الجزء ٤ · صفحة ٣٧٦قالت : فقالت بطارقتهم حوله : صدقا أيها الملك قومهم أعلم بما عابوا عليهم ، فأسلمهم اليهما ليرادهم الى بلادهم وقومهم .
قال : فغضب النجاشى ثم قال : لا والله اذن لا أسلمهم اليها ، ولا يكاد قوم جاورونى ونزلوا بلادى ، واختارونى على من سواى ، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان فى أمرهم ، ثم أرسل الى أصحاب رسول الله A فدعاهم .
فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ، ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل اذا جئتموه؟ قالوا : نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا A كائناً فى ذلك ما هو كائن فجاءوا وقد دعى النجاشى أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله ، فسألهم فقال لهم : ما هذا الدين الذى فارقتم فيه قومكمن ولم تدخلوا به فى دينى ولا دين أحد من هذه الملل؟
قالت : فكان الذى كلمه جعفر بن أبى طالب فقال له : أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، ونأتى الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسىء الجوار ، ويأكل القوى الضعيف ، وكنا على ذلك حتى بعث الله الينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا الى الله سبحانه لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وأباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ، فعدد عليه أمور الاسلام وصدقناه وآمنا به على ما جاء به من عند الله ، فعبدنا الله وحده ، ولم نشرك به شيئاً ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا الى عبادة الأوثان من عبادة الله ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، ولما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا بين ديننا ، خرجنا الى بلدك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا فى جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك .
قالت : فقال له النجاشى : هل معك مما جاء به عن مالله من شىء؟ فقال له جعفر : نعم0 فقال له النجاشى : فاقرأه على فقرأ عليه سطراً من ﴿ كهيعص ﴾ وقيل : قال النجاشى : هل فى كتابكم ذكر مريم؟ فقال جعفر : فى سورة تنسب اليها فقرأ له ﴿ كهيعص ﴾ الى قوله تعالى : ﴿ ذلك عيسى ابن مريم ﴾ وقرأ طه الى قوله : ﴿ وهل أتاك حديث موسى ﴾ قالت : فبكى والله النجاشى حتى خضل لحيته ، وبكت أساقفته حتى حضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلى عليهم ، ثم قال النجاشى : ان هذا والذى جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا فلا والله لا أسلمهم اليكما أبداً ، ولما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص : والله لآتينه غداً بما أستأصلهم به .