69
الجزء ٤ · صفحة ٣٦٢﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ : خبر ان محذوف تقديره لا خوف عليهم ولاهم يحزنون دل عليه ما ذكر بقوله :
نحن بما عندنا وأنت بما عندك … راضى والرأى مختلف
أى نحن راضون بما عندنا .
﴿ وَالَّذِينَ هَادُوا ﴾ : مبتدأ مرفوع المحل .
﴿ وَالصَابِئُونَ ﴾ : معطوف على الذين هادوا ، فهو مرفوع معطوف على مرفوع المحل .
﴿ وَالنَّصَارَى ﴾ : معطوف على الذين هادوا .
﴿ مَن آمَنَ ﴾ : مبتدأ ثان شرطية .
﴿ باللهَ وَاليَومِ الأَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيِّهم وَلا هُم يَحْزَنُونَ ﴾ : جواب من الشرطية وخبرها شرطها أو جوابها ، أو كلاهما ، وهذا المبتدأ وخبره خبر المبتدأ ، وهو الذين هادوا ، والرابط محذوف أى من آمن منهم ، أو من بدل ، والرابط مقدر كذلك ، وجملة لا خوف عليهم خبر الذين هادوا ، قرن بالفاء لشبهه باسم الشرط ، أو من بدل من اسم ان ، ولا خوف عليهم خبرها قرن بالفاء كذلك ، أو من متبدأ ، ولا خوف عليهم خبره ، والجملة خبر ان ، والرابط أيضا محذوف ، والمبتدأ والذين هادوا فى هذين معطوف على اسم ان فى محل نصب ، والصابئون مبتدأ خبره محذوف ، أى كذلك ، والجملة فى نية التأخير ، وهذا مذهب سيبويه ، وأنشد سيبويه شاهداً على ذلك قول الشاعر :
والا فاعملوا أنا وأنتم … بغات ما بقينا فى شقاق
أى انا بغاة وأنتم كذلك ، وقدم على الخبر معترضاً ليفيد التنبيه من أول على أن الصابئين مع ضلالهم البليغ بالنسبة الى اليهود والنصارى ، حتى أنهم سموا صابئين ، لأنهم مالوا عن الأديان كلها لو آمنوا وعملوا الصالحات لأثابهم الله جلال وعلا ، ولو نصبه لم يفد أنهم أبعد عن الثواب من اليهود والنصارى ، لما رفع أفاد الرفع أنهم ملحقون فى الثواب ، اذ قدرنا والصابئون كذلك .
ويجوز عطف النصارى على الصابئون فهو مرفوع ، ويجوز جعل الذين هادوا متبدأ والصابئون معطوف عليه ، وكذا النصارى ، واختار ابن عصفور وابن مالك ما تقدم من حذف خبر ان لسلامته من التقديم والتأخير ، وأما الحذف لدليل فكثير .
وزعم بعض أن الصابئون بالواو منصوب ، وانه لغة تلزم الواو الأحوال كلزوم التثنية الألف فى لغة ، وقيل : هو منصوب بالفتح على النون ، وانه لغة تلزم الواو ، والاعراب على النون ، وقيل : ان بمعنى نعم فالذين آمنوا وما بعده مرفوعات ، وقرىء والصابئين بالياء بعد الهمزة ، وقرىء والصابئون بالواو بعد الهمزة ، والصابيون بالواو بعد الياء المخففة من الهمزة ، والمراد بآمنوا الأول الايمان الحقيقى وهو المتبوع بالعمل الصالح ، واجتناب المحرمات ، أو يقدر وعملوا الصالحات ، والمراد بأن الثانى ايمان اليهود ، والنصارى والصابئين ، فانه لاحظ لهم فى الجنة ان لم يؤمنوا ويعملوا صالحاً ، ومن الصالح العمل بما فى القرآن ، وان أريد من قبل القرآن فالمراد العمل بما فى كتبهم المنزلة ، ففى وجه الابدال يكون من الذين هادوا والنصارى ، وان أريد بالايمان الثانى الدوام عليه المشعر باشتراط دخول اليهود والنصارى فى أصل الايمان حتى يشترط الدوام عليه كان الابدال من الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ، وتقدم الكلام على الآية فى البقرة ، ويجوز أن يراد بالايمان الأول مطلق الايمان ، وخرج الثانى ايمان المنافقين لأجل ما بعده .