90
الجزء ٤ · صفحة ٣٩١﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيسِرٌ وَالأَنصَابُ ﴾ : الأصنام المنصوبة للعبادة ، أو الحجارة التى تنصب للعبادة بدون أن تصور .
﴿ وَالأَزْلامُ ﴾ : مر بيانها وبيان ذلك كله قيل يجعلون الأزلام فى الكعبة عند سدنة البيت .
﴿ رِجْسٌ ﴾ : شىء تستقذره النفس السالمة ، كما تستقذر أعيان الأرجاس كالعذرة ، فذلك تشبيه لتلك الأشياء بأعيانهم بالرجس الذى هو العذرة ونحوها ، فيفيد ذلك القبيح تناول الخمر لغير اراقته أو افساده ، ولعب الميسر وعبادة النصب والاستقسام بالأزلام كتقبيح نحو العذرة ، وايضاح ذلك أن نفس الأزلام ولو قبل العمل بها ، ونفس ما ينصب اذا اعتبر أنه ينصب للعبادة ، ولو قبل أن يعبدن وكيفية لعب الميسر ولو قيل أن يلعب به ، ونفس الخمر ولو قبل تناولها للشرب أو البيع أو غير ذلك قبيحة كالعذرة ، فيقبح تناولهن لقبحهن .
وقال الزجاج : الرجس موضوع لما يستقذر من الأعيان الكريهة والأعمال القبيحة بالمعنى ، والجمهور على أنه محكى فى الذات النجسة حقيقة فى كل ما يستقبحه العقل ، وعن ابن زيد : الرجس الشر ، وأفرد الرجس مع أنه خبر عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ، لأن المراد التشبيه ويجوز تشبيه أشياء بشىء نحو الزيدون كزيد ، أو التقدير مضاف مفرد صلح الاخبار به عنه ، أى انما تناول الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ، أى مستقبح ويجوز أن يكون خبر للخمر فيقدر لغيره فهو فى نية التقديم ، أى انما الخمر رجس وكذلك الميسر والأنصاب والأزلام .
﴿ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ ﴾ : لا يخفى أن عصر الخمر وكيفية لعب الميسر ، ونصب الحجارة وتصوير آلات الاستقسام ليست عملا للشيطان ، بل للانسان وكذلك تناولها واستعمالها لما صورت له فما نسب تصويرها أو استعمالها والعمل بها للشيطان ، الا لكونه أمراً بذلك مسبباً مزيناًن ولا سيما أنه يجوز أيضاً أن يراد بالشيطان الانسان الشبيه بفسقه الجن فى الخبث والبعيد جداً عن مقام الخير ، لكن هذا وجه ضعيف ، وعلى كل فالمراد الجنس ، ويجوز أن يراد ابليس .
﴿ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾ : الرجس المذكور ، أو اجتنبوا المذكور من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ، أو اجتنبوا التناول لهن .
﴿ لَعَلَّكُم تُفْلِحُونَ ﴾ : تفوزون بالجنة لا جتنابها ، أكد الله جل وعلا تحريم الخمر والميسر والأنصاب الأزلام بقصرها على الرجس ، قصر موصوف على الصفة كأنه قيل : ليس فيها من الصفات الا كونها رجساً من عمل الشيطانن فذلك ثلاث تأكيدات : الحصر ، وكونها رجساً ، وكونها من عمل الشيطان ، على أن من عمل الشيطان خبر ثان ، أو الحصر وكونها رجساً ، وكون ذلك الرجس من عمل الشيطان ، على أن من عمل الشيطان نعت لرجس ، وأكده أيضاً بكون الجملة اسمية ، وبالأمر باجتنابهن ، وبترتيب الفلاح على اجتنابهن ، ففى تناولهن الهلاك ، وزال تأكيد تحريم الخمر والميسر والأزلام ، بأن قرنها بعبادة غير الله وهى شرك .
قال A : « شارب الخمر كعابد الوثن » وزاد تأكيد تحريم الخمر والميسر يذكر أنهما يورثان العداوة والبغضاء ، وأنهما يصدان عن ذكر الله ، وأنهما يصدان عن الصلاة ، ويكفى من نظر بعين البصيرة فى الكف عنهن أنهن من عمل الشيطان الذى هو عدوه الحقيقى الذى لا يأتيه منه الا الشر الخالص .