هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

104

الجزء ٤ · صفحة ٤٢١

وكما قيل كان الرجل ليسلم فيقال له : سفهت آباءك وضللتهم ، وكان ينبغى أن تنصرهم فنزلت الآية ، وبهذا قال ابن زيد ، وقيل : لا يضركم من ضل اذا اهتديتم هى فى معنى اهتداء المرء فى نفسه ، وفى عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، لكن شرط عدم القدرة على الأمر والنهى وهو مشكلن لأنه يوهم أنه ان لم يهتد ضره ضلال من ضل ، ولو لم يقدر عليهما ، وليس كذلك فانه اذا لم يقدر انما يضره عدم اهتدائه فى نفسه لاضلال غيره ، ولا يدل على هذا التفسير قوله A : « ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، حتى اذا رأيتم شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة ، واعجاب كل ذى رأى برأيه ، فعليك بخاصة نفسكن ودع العوام فان من ورائكم أيام الصبر ، فمن صبر فيهن قبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم » .

فقال رجل : يا رسول الله أو خمسين منهم؟ قال : « لا بل خمسين منكم » لأن هذا الحديث صالح لما فسرت الآية أولا أيضا ومثله قول ابن مسعود رضى الله عنه امروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل منكم فان رد عليكم فعليكم أنفسكم ، ثم قال : ان القرآن نزل منه أى قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ، أى نزلن فى أمر مضى ومنه ، أى وقع تأويلهن على عهد رسول الله A ، ومنه أى قد وقع تأويلهن بعد رسول الله A ومنه ، أى يقع تأويلهن فى آخر الزمان ومنه ، أى وقع تأويلهن يوم القيامة وهو من ذكر من الحساب والجنة والنار ، فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة لم تلبسوا شيعاً ، ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا بالمعروف ، وانهوا عن المنكر ، فاذا اختلفت قلوبكم وأهواؤكم ، ولبستم شيعاً وذاق بعضكم بأس بعض فيأمر نفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية .

ومثله ما قيل لابن عمر : لو جلست فى هذه الأيام فلم تأمر ، ولم تنه ، فان الله يقول : ﴿ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذّا اهْتَدَيْتُم ﴾ فقال ابن عمر : ليست لى ولا لأصحابى ، لأن رسول الله A قال : « ألا ليبلغ الشاهد الغائب » فكنا نحن الشهود ، وأنت الغائب ، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا ان قالوا : لم يقبل منهم .

ومثل ذلك ما روى أن الحسن قرأ هذه الآية بحضرة ابن مسعود فقال : اللهم لك الحمد عليها وعلى أشباهها ، فقال ابن مسعود : قولوها ما قبلت منكم ، فاذا ردت فعليكم أنفسكم ، وما روى أن شيخاً من أهل دمشق قال : كنا قعوداً بالحلبية فى مجلس فيه كعب وأبو الدرداء ، فجاءهم رجل فسلم فجلس ، فقال : ان رأيت أمراً فكرهته لله فخائف أن تعاقب وتنكل0 فقال رجل من القوم : اقبل عليك ودع الناس عنك ان الله قال فى كتابه : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذّا اهْتَدَيْتُم ﴾ فقال كعب رضى الله عنه : لا تطعه ذب عن محارمك ذب عن دينك حتى يقع تأويل هذه الآية ، فقال أبو الدرداء : متى يقع تأويلها؟ قال : اذا بنيت كنيسة دمشق .

١٬٩٢١ / ٧٬٦٨٠