114
الجزء ٤ · صفحة ٤٣٦﴿ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ : حين رأى غرضهم صحيحاً فى طلب المائدة ، وما شرطوا على أنفسهم ، أو رأى لجاجهم فى طلبها حتى انه ان لم يفعل شكوا فى رسالته ، أو جزموا بعدمها ، فأراد الزام الحجة عليهم .
﴿ اللَّهُمَ رَبَّنَا أَنزِلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ تَكُونُ ﴾ : أى يكون نزولها .
﴿ لَنَا عِيداً ﴾ : نعظمه .
﴿ لأوَّلِنَا وَآخِرنَا وَايَةً مِنكَ وَارْزُقنَا ﴾ : أى المائدة أو الشكر عليها .
﴿ وَأنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ : وجملةم ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً ﴾ نعت المائدة ، وقرأ عبد الله بن مسعود تكون بالجزم فى جواب الدعاء ن وقوله : ﴿ لأوَّلِنَا ﴾ بدل كل من قوله : ﴿ لَنَا ﴾ باعتبار ما عطف على أولنا ، وهو آخرنا ، وقرأ زيد بن ثابت : لأولنا وأخرانا بضم الهمزة فيهما واسكان الواو والخاء ، والتأنيث بالألف ، أى للجماعة أو الأمة أولانا وأخرانا ، وذلك العيد اتفق أنه يوم الأحد ، أجاب الله دعاءه فنزلت يوم الأحد ، فاتخذه النصارى عيداً .
وقيل : العيد السرور العائد ، ولذلك يقال : يوم عيد ، أى يوم فرح يعود ، ومعنى كونها عيداً لهم لأولهم وآخرهم أن يكون نزولها عيداً يعظمونه ويصلون فيه ، متقدموهم ومتأخروهم ، والمراد أولنا وآخرنا معشر بنى اسرائيل ، وقال الحسن : معشر المسلمين .
وقال ابن عباسك معناه يأكل منها آخر الناس ، كما يأكل منها أولهم لا يتغير أخره ، ففى هذا التفسير لا يلزم دوام طعامها ، ولا تكرير نزولها ، وفى الأقوال قبله يلزم أحدهما ، ومنك نعت آية أى آية ثابتة منك ، أو نازلة منك دالة على كمال قدرتكن وصحة نبوتى ، ومعنى كون الله خير الرازقين أنه خير من يعطى لأنه يعطى بلا من ولا عوض ، ويوسع العطاء ، وأنه خالق الرزق ، والله رازق ، والمخلوق رازق ورزق الله أفضل بمعنى أنه الذى يعطى مالا يعطى المخلوق ، وما يعطى المخلوق هو اعطاء من الله على يده .
روى أن عيسى عليه السلام قال لهم ذات يوم : هل لكم فى صيام ثلاثين يوما لله سبحانه ، ثم ان سألتموه حاجة قضاها؟ فلما صاموها قالوا : يا معلم الخير ان حق من عمل عملا أن يطعم ، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ، أرادوا أن تكون المائدة عيد ذلك الصوم ، وقيل : سألوا المائدة كما ذكر الله جل وعلا عنهم ، فأمرهم أن يصوموا ثلاثين يوماً ، وقال لهم : انكم اذا صمتم ذلك وأفطرتم فلا تسألوا الله شيئاً الا أعطاكم ، فصاموا فقالوا له : أنجز لنا بما وعدتنا من المائدة بعد صومنا .