116
الجزء ٤ · صفحة ٤٤١﴿ وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ إِتَّخِذُونِى وَأُمِّى إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ ﴾ : هذا يوم القيامة ، لتحقق الوقوع بعد كان اللفظ بصيغة الماضى ، كأنه قال ومضى القول ، أو استعمل صيغة الماضى فى الاستقبال مجازاً ، وذلك قول الجمهور ، أنه يوم القيامة وقال السدى : قال الله هذا يوم رفع عيسى الى السماء ، وبعد رفعه قال قومه ذلك ، والصحيح الأول .
والاستفهام توبيخ لقومه وتقرير له ليقر فيفتضحوا ، وانما قال : ﴿ وَأُمِّى ﴾ لأن من النصارى من قال : ان أمه اله كما مرن ولأن أم الانسان أقرب الى الانسان فى ماله ﴿ مِن دُونِ اللهِ ﴾ متعلق باتخذونى ، أو نعت لالهين ، ومعنى دون المغايرة فيكون تلويحاً الى أن عبادة الله مع غيره كلا عبادة ، فعبادتهم عيسى وأمه تذهبان بعبادة الله جلا وعلا ، كأنه عبدوهما ولم يعبدوه ، فان من أثبت الألوهية لغير الله تعالى فقد نفاها عن الله تعالى ، ولو أثبتها له مع غيره ، لأن الألوهية لا تتعددن والألوهية المتعددة ليست ألوهية لله تعالى ، أو معناه القصور فيكون تلويحاً الى أن عبادتهما ليست بالذات ، انما هى ليتوصل بها الى عبادة الله سبحانه وتعالى ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف حال من واو ﴿ إِتَّخِذُونِى ﴾ أى اتخذونى وأمى الاهين ثابتين من دون الله أى متجاويزن عن ألوهية الله ومعبوديته ، أو حال من ياء اتخذونى ومن أمى .
﴿ قَالَ ﴾ : عيسى .
﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ : أنزهك تنزيهاً عن أن يكون لك شريك فى الألوهية أو غيرها ، وعن كل نقص ، واذا سمع عيسى عليه السلام ذلك الخطاب ارتعدت مفاصله ، وانفجرت من تحت كل شعرة منه عين من دم وقال سبحناك .
﴿ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍ ﴾ : أى ما لا يحق لى أن أقولهن ولى متعلق بليس على جواز التعليق بكان وأخواتها ، أو بمحذوف حال من حق ولو نكرة لتقدم الحال ، ولتقدم النفى ولو جر ، لأن هذا الجار صلة للتأكيد .
﴿ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ﴾ : تتلم كل شىء لا يخفى عنك شىء ، وهذا أدب عظيم اذ أسند العلم اليه تعالى ، وهو أقوى له حجة ، اذ جعل علم الله كافياً عن جوابه ، ولم يقل كما أن قوله : ﴿ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍ ﴾ اذ لم يقل ما قلت ذلك ، ولكنه نزهه تعالى عن أن يقول فيه ذلك .
﴿ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ﴾ : تعلم ما أخفيه فى نفسى ، أو ما فى ذاتى داخلا ، كما تعلم ما أظهره وما ظهر من بدنى ، ولا أعلم ما فى غيب معلوماتك ، فمسى غيب معلوماته نفساً للمشاكلة لقوله : ﴿ مَا فِى نَفْسِى ﴾ وقيل : المعنى تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسى ، وأضاف نفسه للكاف وهو ضمير لله ، لأنها ملك لله تعالى ، وهو خالقها .