56
الجزء ٥ · صفحة ٢٦﴿ قُلْ إنَّى نُهيتُ ﴾ قل يا محمد لهؤلاء المشركين إنى نهانى الله بنصب الأدلة كالسموات والأرض ، وبالقرائن وسائر الوحى ﴿ أن أعبْبدَ الَّذين تدْعُون مِنْ دون اللهِ ﴾ الأصنام التى تعبدونها ، وقيل : تطلبونها عند الشدة ، وقيل : تسمونها آلهة ، والأول أنسب بقوله : ﴿ أن أعبد ﴾ وهو على تقدير عن ، أى نهيت عن أن أعبد ، وإنما قال : ﴿ الذين ﴾ لأنهم ينزلون أصنامهم منزلة العقلاء ، بل منزلة أعظم ، إذ جعلوها آلهة وهم يعبدونها ويدعونها ، ويجعلونها آلهة ، ويزعمون أنها تقربهم إلى الله ، كل ذلك على طرف من الهوى ، وعلى التقليد ولا رسوخ لذلك فى صميم قلوبهم كما قال .
﴿ قُل لا أتبعُ أهْواءَكم ﴾ فى عبادة الأصنام ، وطرد الفقراء المسلمين كيف أعبد الأصنام ، وهى مخلوقة لا تدفع ضرّاً عن نفسها أو غيرها ، ولا تجلب نفعاً ، ونهانى ربى ، كيف أطرد المسلمين المستحقين للتقريب والإعزاز لعلمهم وعملهم ، وقد قيل : إن بعض المشركين قال : له استلم آلهتنا بيدك حتى نؤمن بإلهك ، فأمر الله تعالى أن يقول : لأنى نهيت قطعاً لأطماعهم ، وأكد ذلك القطع بقوله : ﴿ قل لا أتبع أهواءكم ﴾ أى كيف أتبع ما هو هواء ، وأترك ما هو هدى ، وما ذلك منكم إلا تقليد ، والفاء لأدلة العقل وأدلة النقل الزاجرة عن عبادة الأصنام ودعاءها .
﴿ قَدْ ضللْتُ إذاً ﴾ أى خرجت عن الصواب خروجاً مترتباً على اتباع أهوائكم ، أو إذا خرجت أو إذ خرجت . ﴿ وما أنا مِنَ المهتَدِين ﴾ لست منهم فى شئ ما من الهدى ولو أقل قليل إن اتبعت أهواءكم ، وذلك تعريض بهم أنهم قد ضلوا وليسوا فى شئ من الهدى ، وهذا أبلغ من أن يقال : وما أنا مهتد ، لأن انتفاء مهتد تام يجوز معه بقاء اهتداء ما .