هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

53

الجزء ٥ · صفحة ٢١

﴿ وكَذلك فتنَّا بعْضَهم ببعْضٍ ﴾ فتنَّا بعض المؤمنين وبعض المشركين ببعض ، ابتلينا فقراء المسلمين بأغنياء المشركين ، ووضيعهم بشريف المشركين ، وابتلينا شرفاءهم وأغنياءهم بفقراء المسلمين وضعفائهم ، فهم يقولون : كيف رزق المشركون وهم مشركون ووسع عليهم ، وكان لهم شرف ، والمشركون يقولون : إن هؤلاء سبقونا للإيمان فلو آمنا كنا لهم تبعاً وهم دوننا ، فيأبون الإيمان لذلك ، وذلك فتنة الدين ، ومن وسوس الشيطان له من المؤمنين بذلك ، ولم ينسب الله إلى الجور ، بل أزاح ذلك فلا بأس ، ومن رسخ فى قلبه الحق فلم يلتفت لتلك الوسوسة فهو من الشاكرين ، ويجوز أن يكون هاء بعضهم عائدة للناس مطلقاً ، ولا ينافيه قوله :

﴿ ليقُولُوا هؤلاءِ مَنَّ اللهُ عَليْهِم مِنْ بيْننا ﴾ لأن مشركى قريش القائلين أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا من جملة الناس ، وأيضا ليس هذا القول مختصاً بمشركى قريش فى ذلك الزمان ، نعم الراجح رد الضمير إلى خصوص من تقدم ذكره ، ونزلت الآية فيه ، والكاف إن كانت اسماً ومنعوت متعلقها المحذوف إن كان حرفا مفعول مطلق ، وأى مثل ذلك الفتن فتناً أو فتناً ثابتا ، كذلك الفتن ، فإن أريد نفس الفتن الواقع ونفس من فتن فالتشبيهُ بمعنى أن صفة فتن فتنابه بعضاً ببعض هو ما ذكر ، وإن أريد فتن آخر ومفتون آخر فلا إشكال ، ومعنى أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا إنكار أن يكون للإسلام هكذا مطلقا ، أو ما عليه ضعفاء المسلمين من الإيمان أمرا حسنا صحيحا ، فضلا عن أن يكون منة من الله لهم ، خصهم الله بها من بيننا ، ولو كان منَّة وفضلا لكنا أولى به ، فنسبق له ، لأنا الأعزاء الشرفاء ذووا المال كما قالوا : ﴿ لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ واللام للصيرورة ، ويجوز أن تكون للتعليل بلا حاجة إلى تأويل فتنا بعضهم ببعض يخذلنا ، بل يصح مع إبقاء المعنى فتنا ابتلينا .

﴿ أليْسَ اللهُ بأعْلم بالشَّاكِرِينَ ﴾ بمن قضى له فى الأزل بالشكر فيوفقه إليه ، مثل هؤلاء الضعفاء ، وأما من قضى لهُ بالخذلان مثل من لم يؤمن من هؤلاء الرؤساء فيخذله ، وليس الأمر بهين ولا مما يتساهل فيه .

٢٬٠٢١ / ٧٬٦٨٠